بث تجريبي

السلام مع الكرد في تركيا .. أين تقف العملية؟

أخذت المؤشرات تتزايد خلال الفترة الأخيرة بشأن تسريع العمل على إعداد “قانون إطاري” خاص بـ”عملية السلام والمجتمع الديمقراطي” مع الكرد في تركيا، وهي العملية التي أطلقها الزعيم الكردي عبدالله أوجلان العام الماضي.

وخلال الأسابيع الماضية، تكررت الدعوات المطالبة بالشروع في وضع الإطار القانوني المنظم لهذه العملية، سواء من جانب “حزب العمال الكردستاني”، الذي انتقد بطء الحكومة التركية في اتخاذ الخطوات القانونية المطلوبة، أو من جانب حزب “الديمقراطية والمساواة للشعوب” المؤيد للكرد، والذي شدد بدوره على ضرورة إعداد “القانون الإطاري” استناداً إلى المقترح الذي طرحه زعيم الحزب عبد الله أوجلان.

حراك متزايد 

وتشير تصريحات المسؤولين الأتراك إلى وجود حراك متزايد باتجاه البدء بمناقشة مشروع قانون يستند إلى المقترحات التي أعدتها لجنة “التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية” البرلمانية، والتي كانت قد وضعت تصوراً عاماً لعملية السلام وقدمته إلى البرلمان في 18 فبراير (شباط) الماضي. ويأتي ذلك في ظل قرار تعليق العطلة الصيفية للبرلمان، التي كان من المقرر أن تبدأ مطلع يونيو (حزيران)، بالتزامن مع تصاعد النقاشات الدائرة حول إعداد دستور جديد للبلاد.

وخلال الفترة الماضية، صدرت إشارات متكررة من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان تفيد العملية تسير في الاتجاه الصحيح، مؤكداً أن البرلمان سيؤدي المهام المنوطة به في إطار هذه العملية.

وفي هذا السياق، قال رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش، خلال فعالية أقيمت في إسطنبول مساء السبت، إن الهدف يتمثل في بناء تركيا لا يتعرض فيها أي مواطن للتمييز بسبب خلفيته العرقية، معتبراً أن عمل لجنة “التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية” يمثل خطوة بالغة الأهمية بالنسبة للديمقراطية التركية.

وأضاف كورتولموش أنه في حال استكمال حل “حزب العمال الكردستاني” لنفسه بصورة كاملة وإنهاء ملف السلاح، فإنه يأمل أن يضطلع البرلمان بمسؤولياته وأن يتم إقرار اللوائح القانونية اللازمة وتطبيقها في أقرب فرصة. وأكد أن ذلك من شأنه أن يسهم في تحقيق الاندماج الاجتماعي خلال فترة قصيرة، وصولاً إلى هدف “تركيا بلا إرهاب”، معرباً عن ثقته بأن هذه الخطوة ستتحقق.

وفي الوقت نفسه، شدد كورتولموش على أن إعداد دستور مدني جديد يمثل إحدى الأولويات الأساسية، موضحاً أن تركيا بحاجة إلى تجاوز الدساتير التي وُضعت عقب الانقلابات العسكرية، والتقدم نحو دستور عصري وديمقراطي وتشاركي يعكس إرادة الشعب.

وجاءت هذه التصريحات بعد أيام من اجتماع عقده كورتولموش مع النائبين بروين بولدان ومدحت سانجار، عضوي “وفد إيمرالي” المكلف بإدارة التواصل ضمن العملية الجارية من خلال اللقاءات مع عبد الله أوجلان والمسؤولين الأتراك.

مطالبات بالإسراع في إقرار القانون

وعقب اللقاء، أوضحت بروين بولدان أن النقاش تناول مسألة القانون الإطاري، مؤكدة أن طرحه للنقاش سيسرع العملية وسيعود بالفائدة على تركيا. وأضافت أن كورتولموش أبدى الموقف ذاته، مشيرة إلى أنه رغم عدم التوصل إلى نتائج ملموسة حتى الآن، فإن الاتصالات ما زالت مستمرة وأن هناك تفاؤلاً بإحراز تقدم.

وقالت بولدان إن الحديث يدور حول قانون إطاري يتكون من سبع أو ثماني مواد فقط، ويمكن الانتهاء منه خلال خمسة أيام كحد أقصى إذا توفرت الإرادة السياسية لذلك. كما حذرت من المخاطر التي قد تنجم عن تأخير إقراره، في ظل التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط ووجود أطراف تسعى إلى عرقلة العملية داخل تركيا، وقد تتمكن من ذلك إذا استمر التأخير.

وكانت بولدان قد أعلنت في أواخر مايو (أيار) الماضي الانتهاء من إعداد مسودة قانون تتضمن ثماني مواد أساسية، تهدف إلى تمهيد الطريق أمام عملية التحول الديمقراطي. وتشمل هذه المواد إصلاحات مرتبطة بالسجناء السياسيين والمرضى، والأشخاص المقيمين خارج البلاد نتيجة الملاحقات والقمع، إضافة إلى تعديلات على قوانين مكافحة الإرهاب، وتطبيق الأحكام والتدابير الأمنية، وإنهاء ممارسات فرض الوصاية على البلديات وعزل رؤسائها المنتخبين.

كما أوضحت أن القانون المقترح سيكون قانوناً استثنائياً يطبق لمرة واحدة، ويستفيد منه أعضاء “حزب العمال الكردستاني” الذين يلقون أسلحتهم خلال فترة زمنية محددة، بحيث يمنحهم حرية العودة إلى تركيا والاندماج في المجتمع بصورة قانونية، أو التوجه إلى أي دولة أخرى يختارونها، بما يضمن تسوية الملفات العالقة بشكل نهائي وقانوني.

تحركات حكومية وتعليمات رئاسية

وفي وقت سابق من يونيو (حزيران)، عقد مسؤولون من حزب “الديمقراطية والمساواة للشعوب” سلسلة اجتماعات مع مسؤولين من حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، وذلك لمناقشة مسودة القانون المقترحة والبحث في آليات تمريرها داخل البرلمان.

كما التقى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان برئيس البرلمان نعمان كورتولموش يوم 18 يونيو، حيث تناول اللقاء آخر التطورات المتعلقة بالعملية الجارية. وسبقت هذا اللقاء تقارير تحدثت عن صدور تعليمات من إردوغان للشروع في إعداد التشريعات اللازمة لإنجاح العملية، التي ينظر إليها باعتبارها إطاراً جديداً لعملية السلام.

وفي أول تأكيد مباشر بشأن تسريع العمل على التشريعات المرتبطة بهذه العملية، أعلن وزير العدل التركي أكين غورليك أن خطوات مهمة يجري اتخاذها في إطار هذه العملية، واصفاً إياها بأنها مشروع للوحدة الوطنية والأخوة. وأعرب عن أمله في أن يتم عرض مسودة التشريعات المقترحة على البرلمان خلال الفترة القريبة المقبلة.

أوجلان يجدد دعوته لعملية السلام

من جانبه، جدد عبد الله أوجلان التأكيد على أهمية “عملية السلام والمجتمع الديمقراطي”، وذلك في رسالة وجهها إلى المؤتمر الثالث حول “الإسلام الديمقراطي”، الذي نظمه اتحاد بلاد ما بين النهرين للبحوث الإسلامية في مدينة ديار بكر جنوب شرقي تركيا.

وأشار أوجلان إلى المبادرة التي أطلقها في 27 فبراير (شباط) 2025، والتي دعا فيها “حزب العمال الكردستاني” إلى حل نفسه والتخلي عن السلاح، والانتقال إلى العمل السياسي ضمن إطار قانوني وديمقراطي.

وأكد أوجلان في رسالته أن معالجة الأزمات المتفاقمة والحروب ذات الطابع الطائفي والصراعات القومية والتنافس على السلطة في الشرق الأوسط لا يمكن أن تتحقق عبر تعزيز النزعات السلطوية أو فرض الهيمنة، بل من خلال بناء مجتمع ديمقراطي حقيقي. وأضاف أن مفهوم “الإسلام الديمقراطي” الذي يتبناه يقوم على فكرة بناء “أمة ديمقراطية” قادرة على استيعاب التنوع وإيجاد حلول سلمية للصراعات القائمة.

مطلوب من النظام

في هذا السياق، قال الأكاديمي المصري الدكتور علي ثابت صبري إن الحديث المتزايد عن إعداد “قانون إطاري” لعملية السلام في تركيا يمثل خطوة إيجابية ومطلوبة منذ سنوات، إلا أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في طرح الأفكار أو إعلان النوايا، وإنما في بطء الإجراءات العملية والتشريعية التي من شأنها تحويل هذه المبادرات إلى واقع ملموس.

وأضاف صبري أن دعوة عبد الله أوجلان إلى حل “حزب العمال الكردستاني” والتخلي عن العمل المسلح فتحت نافذة تاريخية نادرة أمام الدولة التركية لمعالجة القضية الكردية من منظور سياسي وديمقراطي، غير أن الحكومة التركية لم تُظهر حتى الآن السرعة المطلوبة في ترجمة هذه التطورات إلى خطوات قانونية واضحة، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة لدى مختلف الأطراف المعنية بالعملية.

وأشار إلى أن استمرار التأخير في إقرار التشريعات اللازمة قد ينعكس سلباً على مناخ الثقة الذي يعد أساس أي عملية سلام ناجحة، لافتاً إلى أن الأطراف التي أبدت استعداداً للانخراط في مسار سياسي تحتاج إلى ضمانات قانونية واضحة تؤكد جدية الدولة في المضي نحو حل دائم.

وأكد صبري أن المنطقة تمر بمرحلة شديدة الحساسية في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، ما يجعل من الضروري استثمار الفرصة الحالية وعدم إهدارها بسبب الحسابات السياسية أو البيروقراطية. وشدد على أن نجاح عملية السلام يتطلب الانتقال سريعاً من مرحلة التصريحات إلى مرحلة التشريعات والتنفيذ، لأن أي تباطؤ إضافي قد يمنح القوى الرافضة للتسوية فرصة لإفشال مسار يمكن أن يفتح صفحة جديدة في تاريخ العلاقة بين الدولة التركية والشعب الكردي.

قد يهمك