بث تجريبي

أكاديميون: المنطقة في أمس الحاجة إلى الاندماج القائم على التنوع وفشل الدولة القومية يفرض البحث عن بدائل

عقد مركز آتون للدراسات بالعاصمة المصرية القاهرة، مساء أمس السبت 20 حزيران، ندوة بعنوان "الاندماج: الفرص والتحديات"، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين والمتخصصين في الشأن الاجتماعي والثقافي، حيث ناقشت الندوة مفهوم الاندماج وأبعاده المختلفة والفرص التي يتيحها لتعزيز التماسك المجتمعي، إلى جانب التحديات التي تواجه تطبيقه في المجتمعات المتنوعة ثقافياً واجتماعياً، مع تركيز خاص على الحالة السورية.

وأدارت الندوة الإعلامية جاكلين جرجس، فيما شارك فيها كل من الأستاذ الدكتور إبراهيم مرجونة أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية، والدكتور علي ثابت صبري الأكاديمي المتخصص في علم التاريخ، والدكتورة ياسمين السبع عضو اتحاد المؤرخين العرب، والباحث السياسي محمد صابر. وقدم المشاركون أوراقاً ورؤى تناولت قضايا الاندماج من زوايا أكاديمية وتاريخية واجتماعية وثقافية متعددة.

وأكد المتحدثون أن الاندماج لا يعني الانصهار أو إلغاء الخصوصيات الثقافية والقومية، بل يقوم على التعايش واحترام التنوع ضمن إطار جامع يضمن الحقوق المتساوية لجميع المكونات، مشددين على حاجة مجتمعات الشرق الأوسط إلى نماذج جديدة للعلاقة بين مكوناتها المختلفة تقوم على الشراكة وقبول الآخر بدلاً من سياسات الإقصاء والتهميش.

مفهوم الاندماج

وفي مداخلته، تناول الأستاذ الدكتور إبراهيم مرجونة مفهوم الاندماج من منظور تاريخي وحضاري، موضحاً أن الاندماج لا يعني الذوبان وفقدان الهوية، بل يشبه لوحة فنية تتكون من أجزاء متعددة تحتفظ كل منها بخصوصيتها لتشكل صورة متكاملة. وأكد أن الشرق الأوسط في أمسّ الحاجة إلى هذا المفهوم في ظل التحديات التي تواجه المنطقة، مشيراً إلى أن التنوع والاختلاف يمثلان الأساس الطبيعي للمجتمعات.

وتطرق مرجونة إلى تاريخ الكرد ودورهم في الحضارة الإسلامية، مستشهداً بعدد من الشخصيات والتجارب التاريخية، ومنها الإمارات الكردية الشدادية والحسنوية والدوستكية والمروانية، معتبراً أنها قدمت نماذج للتعايش والحكم المحلي ضمن البناء السياسي العام. كما رأى أن مشروع الإدارة الذاتية الذي يطرحه المفكر الكردي عبدالله أوجلان يمثل امتداداً لبعض التجارب التاريخية القائمة على الإدارة المحلية والتعايش بين المكونات المختلفة.

إشكالية الدولة القومي

من جانبه، تناول الدكتور علي ثابت صبري إشكالية الدولة القومية في الشرق الأوسط، معتبراً أن تطبيق هذا النموذج في المنطقة أدى إلى إنتاج أزمات وصراعات مستمرة داخل مجتمعات تتسم بالتعدد القومي والديني والثقافي. وأوضح أن المفكر عبدالله أوجلان قدم مشروعاً فكرياً لتشخيص أزمات المنطقة من خلال نقد نموذج الدولة القومية، معتبراً أن هذا النموذج أدى إلى تهميش العديد من المكونات وفي مقدمتها الشعب الكردي.

وأشار إلى أن التحول الأبرز في مسيرة أوجلان تمثل في الانتقال من التركيز على المقاومة العسكرية إلى طرح مشروع سياسي وفكري يقوم على الحوار والتفاوض وبناء المجتمع الديمقراطي، مؤكداً أن رؤيته هدفت إلى تحويل القضية الكردية من قضية أمنية وعسكرية إلى قضية سياسية يمكن حلها عبر الوسائل الديمقراطية. كما تحدث عن مفهوم "الأمة الديمقراطية" بوصفه إطاراً يسمح بتحقيق الاندماج بين مختلف المكونات دون إلغاء خصوصياتها، معتبراً أن المؤتمر الوطني الكردستاني الأخير حمل رسائل مهمة تتعلق بوحدة الصف الكردي وتجاوز الخلافات بالحوار.

ركائز الاندماج الديمقراطي

بدورها، تناولت الدكتورة ياسمين السبع محور "ركائز الاندماج الديمقراطي والتحديات القائمة"، مؤكدة أن الاندماج جزء من طبيعة الخلق الإنساني القائم على التنوع في الأعراق والأديان والثقافات. وأوضحت أن تحقيق الاندماج يتطلب ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية من خلال القوانين والتشريعات التي تضمن الحقوق لجميع المواطنين دون تمييز، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي ودور المؤسسات التربوية والدينية في ترسيخ ثقافة قبول الآخر.

كما شددت على أهمية وجود دساتير وقوانين واضحة ومحصنة تمنع الإضرار بأي مكون اجتماعي أو قومي، مؤكدة أن تفعيل الإدارة المحلية والنظام الكومونالي يمثلان من أهم ركائز الاندماج الديمقراطي، في وقت ما تزال فيه العديد من دول المنطقة متمسكة بالعقلية المركزية. وأشارت إلى أن تطوير المناهج التعليمية واحترام التعددية يمثلان مدخلاً أساسياً لتعزيز الاندماج، مؤكدة أهمية دور المرأة ومنظمات المجتمع المدني في بناء بيئة داعمة لهذا المسار.

وضع سوريا

وفي محور خصص للحالة السورية، أكد الباحث محمد صابر أن الحكومات السورية المتعاقبة مارست أشكالاً مختلفة من التهميش بحق العديد من المكونات، وفي مقدمتها الكرد، معتبراً أن بناء اندماج وطني حقيقي يتطلب تبني مفهوم المواطنة التعددية والمشاركة السياسية المتساوية. كما دعا إلى الاعتراف الدستوري الواضح بحقوق الشعب الكردي وتبني نظام اللامركزية السياسية بما يضمن توزيعاً عادلاً للسلطات والثروات وتمثيلاً سياسياً فاعلاً لجميع المكونات.

وأوضح صابر أن الاندماج الحقيقي يظهر عندما يتمكن الطفل الكردي في سوريا من تعلم لغته الأم وثقافته وتاريخه بحرية إلى جانب تعلمه اللغة العربية ومشاركته الكاملة في الحياة العامة دون شعور بالتهميش أو الإقصاء.

وشهدت الندوة في ختامها نقاشات موسعة بين المتحدثين والحضور حول مستقبل الاندماج الديمقراطي في الشرق الأوسط وإمكانات تطبيق نماذج أكثر انفتاحاً على التنوع القومي والثقافي والديني، وسط تأكيد المشاركين أن بناء مجتمعات مستقرة يتطلب الاعتراف بالتعددية وتحويلها إلى مصدر قوة بدلاً من اعتبارها سبباً للصراع والانقسام.

ومن بين الحضور، شارك رامي عبد الرحمن مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، حيث وجه انتقادات للحكومة السورية الحالية، معتبراً أنها لا تؤمن بمبادئ الديمقراطية، وقال إن الحكومة الحالية في دمشق تقع تحت "حكم تنظيم القاعدة الإرهابي"، مشيراً إلى التحديات التي يفرضها هذا الواقع على المشهد السياسي والحقوقي في سوريا.

قد يهمك