تواترت الأنباء الدبلوماسية عبر مصادر متعددة حول توافق أمريكي - إيراني أولي على مسودة مذكرة تفاهم تقضي بتمديد وقف إطلاق النار، ورفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، مقابل إنهاء القيود الملاحية في مضيق هرمز، ورغم الثقل الجيوسياسي لهذا التطور الذي يمنح الأطراف مهلة 60 يوماً للتفاوض، إلا أن القراءة التحليلية العميقة لبنية هذا الاتفاق الأولي تشير إلى أنه يمثل إدارة للأزمة وليس حلاً لها، وذلك بناءً على المعطيات التالية:
الاتفاق الراهن قام على مبدأ فصل المسارات؛ حيث جرى التوافق على القضايا الضاغطة ذات الأثر الاقتصادي والملاحي الفوري (أمن الطاقة، الحصار، وبعض العقوبات)، في حين تم ترحيل النواة الصلبة للخلاف المتمثلة في الملف النووي (اليورانيوم عالي التخصيب، وأجهزة الطرد المركزي) وصيغ التحقق والتفتيش إلى جولات لاحقة. هذه المقاربة تمنح الأطراف التقاط أنفاس اقتصادي، لكنها تبقي على مسببات الصراع الهيكلية دون حل.
تفكيك الحصار البحري الأمريكي مقابل إعادة فتح مضيق هرمز وتطهيره من الألغام يمثل المقايضة الحرجة في هذه المرحلة. بالنسبة لطهران، يظل المضيق ورقة الضغط الاستراتيجية الأقوى، والتخلي عنها لا يمكن أن يتم دون ضمانات قطعية برفع مستدام للعقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة. في المقابل، يدرك الجانب الأمريكي (وتحديداً إدارة ترامب) أن أي تنازل مالي مجاني سيعيد فتح النقاش الداخلي حول إرث اتفاق 2015.
لا يمكن قراءة هذا المسار بمعزل عن الديناميكيات الإقليمية؛ فإصرار إيران على ربط التهدئة بملف جنوب لبنان يواجه تعقيدات ميدانية كبيرة في ظل الهشاشة البنيوية للهدنة هناك. بالإضافة إلى ذلك، يبرز موقف تل أبيب كمتغير حاسم، حيث ترفض إسرائيل أي صيغة اتفاق أمريكية-إيرانية قد تحد من حرية حركتها العسكرية أو تمنح طهران هوامش مناورة إقليمية أوسع.
التصريحات الحذرة الأخيرة الصادرة عن واشنطن (مثل إشارة نائب الرئيس جيه.دي فانس إلى القرب من الاتفاق دون إنجازه)، والتحفظ المقابل في وسائل الإعلام شبه الرسمية الإيرانية (مثل وكالة تسنيم)، تؤكد أن الوثيقة لم تحظَ بعد بالضوء الأخضر النهائي من مراكز صنع القرار العليا في البلدين.
نحن أمام انفراجة مؤقتة محفوفة بالمخاطر؛ فمهلة الستين يوماً القادمة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الدبلوماسية على تفكيك الألغام الأكثر تعقيداً (النووي، الصواريخ الباليستية، والترتيبات الأمنية الإقليمية)،، غياب التوافق عليها قد يعيد المشهد إلى مربع التصعيد الصِفري في أي لحظة.