بث تجريبي

القضية الكردية على مفترق طرق.. تركيا تعلن استعدادها بالحوار وأوجلان خارج المشهد

أعلنت تركيا استعدادها للحوار بشأن القضية الكردية، بينما تواصل العزلة المشدّدة على الزعيم الكردي عبد الله أوجلان الّذي لا يمكن لأيّ حوار جدّي أنْ ينطلق بمعزل عن مشاركته في تناقض يعكس سياسة إطالة الأزمة دون السعي إلى حلٍّ حقيقي.

لازال الزعيم الكردي عبد الله أوجلان يعيش في عزلةٍ شبه تامّة تتحدّى أبسط المعايير القانونيَّة الدَّوليَّة، حيث لا يصل محاموه إليه بصورةٍ منتظمةٍ، وعائلته تُمنع من زيارته لفترات مطوّلة، وأيّ تصريح يصدر عنه يمرُّ عبر قنوات رسميَّة تتحكّم في توقيته، وآخر ما صدر عنه من رسائل جاء في سياق مبادرة السَّلام والمجتمع الدّيموقراطي بعد إطلاقه نداء الأمل.

مسار السَّلام الّذي انطلق في 2023 لازال مجمّداً بدفع من الحكومة التُّركيَّة والحزب الحاكم، وبرغم التَّلميحات المتقطّعة الّتي تُطلقها أنقرة بين الحين والآخر، تفتقر المبادرات المُعلنة إلى آلية قابلة للتَّنفيذ وضمانات قانونيَّة مع إعلان جداول زمنيَّة ملزمة، فضلاً عن استمرار ملاحقة المعارضين بتهم يراها المعنيون ذرائع سياسيَّة مُحكمة الصّياغة.

ودوافع أردوغان في إبقاء هذا الملف معلّقاً لا تحتاج إلى قراءة معقّدة، حيث اعتاد على توظيف القضيَّة، تصعيداً أو تهدئة وفق متطلّبات اللّحظة الانتخابيَّة والسّياسيَّة، وحين يحتاج إلى التَّقارب مع القوميين الأتراك، يُشدَّد الخناق على حزب العمال ويُعلي الخطاب الأمني، وحين تضطرُّه حسابات أخرى إلى فتح قنوات، يُعيد تدوير خطاب السَّلام بلغةٍ جديدةٍ ومضمون قديم، بما يجعل الحلّ الحقيقي عبئاً، لأنَّهُ يُغلق ملفّاً تُدار به الحياة السّياسيَّة التُّركيَّة منذ عقود.

والمبرّرات الّتي تُساق لتجميد عملية السّلام تتكرّر بصور مختلفة وعلى رأسها الخطر الأمني، وصلات حزب العمال في سوريا، والتَّهديد للوحدة الوطنيَّة، وضرورة نزع السَّلاح قبل أيّ حوار، لكن هذه المبرّرات تُغفل حقيقة أنَّ نزع السَّلاح لا يسبق الثَّقة السّياسيَّة بل يُبنى عليها، وأنَّ المطالبة بالاستسلام الأمني المسبق دون ضمانات سياسيَّة موازية هي دعوة إلى الانتحار السّياسي وليست دعوة إلى السَّلام.

وإقليمياً، مثّلت الحرب الإيرانيَّة والتَّحوّلات السُّوريَّة الجارية عبئاً على شمال وشرق سوريا حيث يواجه الإقليم ضغوط تركيَّة متصاعدة تستثمر الفوضى الإقليميَّة، فيما تنشغل أنقرة بترتيب أوراقها الاستراتيجيَّة في ضوء الخريطة الجديدة للمنطقة، مما يُقلّل من احتمال أيّ انفتاح جدّي على القضيَّة الكرديَّة في المدى المنظور، ولا تبشّر السّيناريوهات المحتملة بتفاؤل، فالسّيناريو الأكثر ترجيحاً هو الإبقاء على الوضع الرّاهن مع جرعات متقطّعة من الخطاب التَّفاوضي كلَّما اقتضت الحاجة الدَّاخليَّة ، أمّا السّيناريو الأكثر تفاؤلاً فيتطلّب متغيّرات كبرى من بينها  تحوّل في موازين الدّاخل التُّركي، أو ضغطاً دوليَّاً استثنائيَّاً، والسّيناريو الأكثر تشاؤماً، هو انزلاق الأوضاع نحو مواجهة جديدة تُعيد المنطقة إلى ما قبل نداء الأمل.

قد يهمك