في السياسة البريطانية تتغير الأسماء، لكن القصة واحدة، رئيس وزراء جديد يقف في داونينج ستريت، واعدًا باستعادة ثقة الناخبين، لكن في غضون سنوات قليلة - أو حتى أيام - يجد نفسه مُطاحًا به من منصبه، إما من قبل الشعب، أو من قبل نواب حزبه.
ليس الفشل السياسي أمرًا جديدًا، لكن خلال السنوات القليلة الماضية تسارعت وتيرة الإخفاقات، حتى إن لندن شهدت سبعة رؤساء وزراء خلال عشر سنوات فقط.
يرجع تحليل في صحيفة "ذا تايمز" أسباب الفشل وعدم رضاء الجمهور البريطاني، أو رجال الأحزاب، إلى عدة أسباب؛ أولها الأزمة المالية، "كانت هذه اللحظة التي حطمت ليس فقط النموذج الاقتصادي البريطاني، بل ثقته بنفسه أيضًا، عقود من النمو المطرد في الإنتاجية ومستويات المعيشة والأجور حلت محلها حالة من الركود والجمود".
لكن لم تكن الأزمة المالية وحدها هي السبب بالطبع، فقد شهد العقدان الماضيان سلسلة لا تنتهي من الصدمات، من بينها أزمة منطقة اليورو، والاستفتاء الإسكتلندي، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والجائحة، وحرب أوكرانيا، وأخيرًا حرب إيران.
ودون نمو اقتصادي، اضطر السياسيون البريطانيون إلى اقتراض مليارات الدولارات للحفاظ على استمرارية الاقتصاد، ثم دفعوا مليارات أخرى لسداد الديون.
يلفت التحليل إلى أن التركيبة السكانية في المملكة المتحدة شكّلت أزمة كبيرة للحكومات المتعاقبة. وحسب نيل أوبراين، كبير مسؤولي السياسات في حزب المحافظين، فإن شيخوخة السكان على مدى العشرين عامًا الماضية رفعت تكلفة الدولة بمقدار 84 مليار جنيه إسترليني سنويًا.
أيضًا، شكّلت "حالة الحكومة" مشكلة كبيرة ثانية؛ فقد أعرب بوريس جونسون خلال الجائحة عن أسفه؛ لأن محاولة حث الدولة على التحرك كانت أشبه بـ"الكابوس المتكرر الذي تأمر فيه قدميك بالركض فلا تتحركان". بالمثل، وصل فريق كير ستارمر إلى السلطة معتقدين أن جهاز الخدمة المدنية قد تعرض لـ"سوء إدارة" من قبل حزب المحافظين، ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف عاجزين بدورهم.
في الوقت نفسه، باتت الدولة البريطانية، بتوافق الأحزاب، تستبدل الأداء بالإجراءات، والتنفيذ بالمداولات؛ فقد منح السياسيون صلاحيات لخبراء يبدو أنهم محايدون، لكنهم يجدون الآن أن هؤلاء الخبراء أنفسهم يعرقلون خططهم.
وقد رسّخت سلسلة من القوانين واجبات أساسية في جميع أنحاء الدولة، بشأن المساواة وحقوق الإنسان وانبعاثات الكربون وغيرها، مما يجعل اتخاذ إجراءات سريعة أمرًا مستحيلًا.
تقول "ذا تايمز": وهكذا يتكرر نمط مألوف. يَعِد رؤساء الوزراء بالتغيير، ولكن ما إن يصلوا إلى مناصبهم حتى يكتشفوا عجزهم عن تحقيقه، فيستبدلون الوزراء والمستشارين والموظفين الحكوميين، حتى لا يبقى في نهاية المطاف من يلومونه.
تضيف: "لقد أصبحت اللعبة السياسية أكثر صعوبة بلا شك، لكن اللاعبين أيضًا أصبحوا أسوأ"، مشيرة إلى أنه "لا يزال هناك العديد من الأشخاص الجيدين في السياسة. لكن هناك إجماع ساحق في وستمنستر على أن مستوى النواب آخذ في التراجع".
ولفت التحليل إلى أن "أحد أسباب الصعود السريع لريشي سوناك هو ندرة النواب الذين يمتلكون ذكاءً مماثلًا لذكائه".
أيضًا، غيّرت الأحزاب معايير اختيارها؛ فالقدرة على إلقاء خطابات بليغة في مجلس العموم، أو إيجاد إحصائية حاسمة في الميزانية، أصبحت في معظمها ميزة إضافية. أصبح النواب تدريجيًا مزيجًا من الأخصائيين الاجتماعيين والمهرجين، يُحفَّزون على التركيز على إدارة دوائرهم الانتخابية والتأثير على وسائل التواصل الاجتماعي بدلًا من الفلسفة السياسية أو تنفيذ السياسات، ويتم اختيارهم بناءً على ولائهم والتزامهم بالحملات الانتخابية بدلًا من براعتهم.
ويشير التحليل إلى فضيحة نفقات أعضاء البرلمان في عام 2009، والتي حطمت سمعة ليس فقط السياسيين البريطانيين، ولكن البرلمان ككل؛ إذ بدا الأمر وكأن الطبقة السياسية بأكملها تستنزف أموال دافعي الضرائب لدفع ثمن جزر البط أو تنظيف الخنادق أو الأثاث المصمم، أو تبديل تصنيف منازلهم الثانية.
يلفت التحليل إلى أن إحدى النتائج الرئيسية لمساهمة التكنولوجيا في تسريع وتيرة الحياة هي تسارع وتيرة الإعلام، وبالتالي تسارع وتيرة السياسة.
بالفعل، إذا قرأت مذكرات أي رئيس وزراء، فإن أحد أبرز الأمور التي تبرز هو الضغط الهائل الذي يتعرض له في داونينج ستريت، وقد ازداد هذا الضغط بشكل مطرد طيلة العقد السابق.
كانت مارغريت تاتشر تُخصص أيامًا كاملة من جدول أعمالها للعمل على خطاباتها الرئيسية، لصقل ليس فقط حججها بل أفكارها أيضًا. أما ونستون تشرشل، بصفته زعيمًا للمعارضة، فقد أمضى شهورًا في فترة نقاهة سرية بعد إصابته بجلطة دماغية.
تقول "ذا تايمز": اليوم بات هذا النوع من الأمور ضربًا من الخيال، فكل يوم يحمل معه سيلًا من القصص والحوادث ومطالب وسائل الإعلام، وإذا لم يُستجب لها، فإنها تتحول إلى قصة بحد ذاتها. والنتيجة هي أن رؤساء الوزراء ينجرفون في دوامة لا تنتهي من ردود الفعل الفورية، دون أن يملكوا الوقت الكافي للتراجع والتفكير مليًا في القضايا.
وفي محاولة لتجاوز هذه العقبة، تُصدر الحكومات إعلانات متتالية، يتضمن الكثير منها لوائح جديدة أو إنفاقًا جديدًا، وفي الوقت نفسه أدت هذه القوى التكنولوجية نفسها إلى استقطاب الرأي العام وتشتيته، ما يعني أن لا أحد يُصغي فعلًا.
والنتيجة في أسوأ الأحوال، حسب التحليل، هي سياسة الإشباع الفوري: "ينشغل السياسيون بتقييمات استطلاعات الرأي اليومية، ويتزايد نفاد صبر الناخبين، يتخلون عن زعيم وينتقلون إلى آخر. لا أحد يُبدي اهتمامًا بالجدوى طويلة الأمد، ولا أحد مستعد لتحمل الألم قصير الأجل".
يضيف: "الفائزون في مثل هذه البيئة هم سياسيون مثل دونالد ترامب أو نايجل فاراج، الذين يستطيعون استغلال زخم الإعلام لحظة بلحظة".
من زوايا العالم
من زوايا العالم
من زوايا العالم
من زوايا العالم