أثار إدراج جماعة الإخوان المسلمين ضمن أولويات الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب لعام 2026 نقاشًا واسعًا تجاوز حدود الجماعة نفسها، ليمتد إلى مستقبل العلاقة بين الأمن والحريات المدنية، وحدود استخدام أدوات مكافحة الإرهاب في التعامل مع الحركات السياسية والدعوية العابرة للحدود.
ولا يُنظر إلى القرار الأمريكي باعتباره مجرد خطوة أمنية ضد تنظيم سياسي مثير للجدل، بل بوصفه مؤشرًا على تحول أوسع في العقيدة الأمنية الغربية، يقوم على توسيع مفهوم “التهديد” ليشمل الشبكات الفكرية والمالية والاجتماعية التي تعتبرها واشنطن بيئات محتملة للتطرف.
وأعلنت الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في مايو 2026، استراتيجية جديدة لمكافحة الإرهاب تضمنت إعادة ترتيب أولويات الأمن القومي، مع التركيز على الكارتلات المسلحة والجريمة المنظمة العابرة للحدود، إلى جانب التنظيمات الإسلامية المسلحة، وإدراج جماعة الإخوان المسلمين ضمن هذا التصور الأمني الجديد.
وسبقت هذه الخطوة إجراءات تنفيذية في نوفمبر 2025، طلب خلالها البيت الأبيض مراجعة أوضاع فروع للجماعة في مصر والأردن ولبنان، تمهيدًا لاحتمال تصنيفها كمنظمات إرهابية أجنبية أو كيانات إرهابية عالمية.
وتكمن حساسية هذه الخطوة في أن آثارها لا تقتصر على الجوانب القانونية، بل تمتد إلى التمويل والرقابة والتحويلات البنكية وعمل الجمعيات الخيرية والمدنية.
وباتت واشنطن تميل إلى اعتبار بعض فروع الجماعة جزءًا من شبكات أوسع قد تغذي التطرف أو تدعم جماعات مصنفة، غير أن هذا الطرح لا يزال محل جدل أكاديمي وقانوني بسبب اختلاف أوضاع فروع الإخوان من بلد إلى آخر، وتباين طبيعة نشاطها بين السياسي والدعوي والاجتماعي.
ولا تقتصر الاستراتيجية الجديدة على استهداف الجماعات المسلحة، بل تقترب من مساحة أكثر حساسية تتعلق بالأفكار والواجهات والبيئات الحاضنة، وهي مساحة يصعب ضبطها بمعايير قانونية دقيقة.
الاشتباه الفكري
ويعد انتقال مركز الثقل من تجريم الأفعال العنيفة إلى الاشتباه في البيئات الفكرية والسياسية أحد أبرز مواضع القلق في الاستراتيجية الجديدة، إذ يثير الربط المباشر بين الإخوان وتنظيمات مثل القاعدة وداعش إشكالية قانونية، لأن القانون الجنائي الحديث يفترض المحاسبة على الفعل لا على الانتماء الفكري أو الخلفية الأيديولوجية.
ورغم وجود تقاطعات فكرية تاريخية بين بعض أدبيات الإسلام السياسي وبعض التيارات الجهادية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة وجود علاقة تنظيمية مباشرة. فقد نشأ تنظيم القاعدة في سياق جهادي مرتبط بالحرب الأفغانية، بينما تطور تنظيم داعش داخل بيئات أكثر ارتباطًا بالعنف المسلح وانهيار الدول.
لكن غموض بعض تيارات الإسلام السياسي في الفصل بين الدعوي والسياسي، وبين العمل المدني ومفاهيم مثل “التمكين” و“الحاكمية”، منح خصومها مادة لبناء سردية أمنية ترى في بعض الحركات الإسلامية مرحلة انتقالية بين العمل السياسي والتطرف العنيف.
ويزداد الجدل تعقيدًا لأن المسؤولية الفكرية أو السياسية لا تكفي قانونيًا لإثبات المسؤولية الجنائية أو تصنيف تنظيم كامل بالإرهاب، لكنها تُستخدم في الخطاب الأمني لتوسيع مساحة الاشتباه.
المجتمعات المسلمة
ولا تتوقف آثار التصنيف عند حدود الجماعة، إذ قد يؤدي توسع مقاربات مكافحة الإرهاب داخل الولايات المتحدة وأوروبا إلى زيادة الرقابة على المساجد والجمعيات الإسلامية والمؤسسات الخيرية والمراكز الثقافية، حتى في غياب اتهامات جنائية مباشرة.
وأظهرت تجربة ما بعد هجمات 11 سبتمبر كيف يمكن لقوانين مكافحة الإرهاب أن تمتد من مواجهة التنظيمات المسلحة إلى مراقبة مجتمعات بأكملها، بعدما تعرضت مؤسسات إسلامية في الغرب خلال العقدين الماضيين لمراقبة مالية وأمنية، وأحيانًا لتجميد حسابات أو تعطيل تحويلات دون صدور أحكام قضائية نهائية.
وفي السياق الأوروبي، يتقاطع هذا التحول مع صعود اليمين القومي وخطابات الهوية والهجرة، إذ إن توسيع تعريف “التطرف غير العنيف” أو “التهديد الفكري” يزيد احتمالات تحويل النشاط الديني أو الاجتماعي أو السياسي المحافظ إلى موضوع للمراقبة الأمنية.
ويحذر مراقبون من أن يؤدي ذلك إلى خلق مناخ من الشك داخل المجتمعات المسلمة، ودفع بعض المؤسسات المدنية المعتدلة إلى الانكماش أو الانسحاب من المجال العام، ما قد يترك فراغًا تستفيد منه تيارات أكثر تشددًا وسرية.
الهجرة والأمن
وترتبط الاستراتيجية الأمريكية الجديدة أيضًا بملف الهجرة، إذ لم تعد واشنطن تتعامل مع الهجرة غير النظامية باعتبارها قضية إنسانية أو اقتصادية فقط، بل كجزء من بنية تهديد أمني أوسع تشمل الإرهاب والجريمة المنظمة والكارتلات.
ويثير هذا الدمج مخاوف حقوقية من توسيع الاشتباه الجماعي تجاه المهاجرين واللاجئين، خصوصًا القادمين من دول شهدت نزاعات أو صعود جماعات مسلحة، فضلًا عن إمكانية تشديد إجراءات الاحتجاز والترحيل أو تقييد الحق في اللجوء تحت مبرر الأمن القومي.
ولا يقتصر هذا الاتجاه على الولايات المتحدة، إذ بدأت دول أوروبية عدة تشدد سياسات استقبال اللاجئين وتعيد النظر في شروط الإقامة والتجنيس، مستندة إلى اعتبارات أمنية وهووية، بالتزامن مع تصاعد ضغوط اليمين المتطرف.
وبذلك يتحول المهاجر، في بعض الخطابات السياسية، من ضحية حرب أو أزمة اقتصادية إلى “خطر أمني محتمل”، وهو تحول يحمل تداعيات مباشرة على الحق في اللجوء ومبدأ عدم الإعادة القسرية.
أسئلة قانونية وحقوقية
وقالت الإعلامية والناشطة الحقوقية السورية إنصاف سليطين إن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تطرح أسئلة قانونية وحقوقية وسياسية شديدة التعقيد، لأنها لا تتعلق بجماعة الإخوان وحدها، بل بطبيعة العقيدة الأمنية التي تحاول واشنطن إعادة بنائها داخليًا وخارجيًا.
وأضافت في تصريحات لـ”صفر” أن من حق أي دولة ملاحقة التنظيمات العنيفة والمتورطة في الإرهاب، لكن الإشكالية تبدأ عندما يتم توسيع مفهوم الإرهاب ليشمل جماعات سياسية ودعوية ذات امتدادات اجتماعية واسعة دون معايير قضائية واضحة.
وأوضحت أن الجماعة تتحمل جزءًا من المسؤولية عن البيئة الفكرية والسياسية التي تُستخدم اليوم ضدها، لأنها لم تحسم تاريخيًا التناقض بين خطابها الدعوي ومشروعها السياسي العابر للحدود، ولم تقدم مراجعات فكرية واضحة تفصل بين العمل المدني الحزبي ومفاهيم مثل “الحاكمية” و“التمكين”، التي استخدمتها لاحقًا جماعات أكثر تطرفًا لتبرير العنف المسلح.
وأشارت سليطين إلى أن أسامة بن لادن نشأ في بيئة سلفية محافظة وتأثر بسياق الحرب الأفغانية، بينما خرج أيمن الظواهري من تنظيمات جهادية مصرية مستقلة، أبرزها تنظيم الجهاد الإسلامي، مع وجود تأثيرات فكرية عامة مرتبطة بأدبيات الإسلام السياسي في تلك المرحلة، مؤكدة أن التقاطعات الفكرية لا تعني وجود ارتباط تنظيمي مباشر.
وحذرت من أن الخطر الحقيقي في الاستراتيجية لا يرتبط بالإخوان وحدهم، بل بمرونة تعريف “التهديد”، لأن ذلك قد يسمح مستقبلًا بتمديد الاتهامات إلى جماعات سياسية أو احتجاجية أو منظمات مدنية تحت ذرائع الأمن القومي.
تصاعد موجات اللجوء
من جانبه، قال الكاتب السوداني سيبويه يوسف إن ملف الهجرة في أوروبا أصبح من أكثر الملفات تعقيدًا في السياسات الداخلية والخارجية، خاصة مع تصاعد موجات اللجوء والضغوط السياسية والأمنية والاجتماعية المرتبطة بها.
وأوضح أن الدول الأوروبية، رغم امتلاكها أطرًا قانونية لتنظيم الهجرة واللجوء، أدخلت خلال السنوات الأخيرة تعديلات وتشديدات واسعة بهدف الحد من تدفقات الهجرة تحت ضغط تحديات أمنية واقتصادية متزايدة.
وأشار إلى أن بريطانيا طرحت سياسات أكثر صرامة بشأن قبول المهاجرين واللاجئين، من بينها اتفاقيات خارجية مثل اتفاق رواندا، إلى جانب تغييرات في شروط التجنيس وفترات الإقامة.
ولفت إلى أن دولًا مثل بولندا وعدد من دول شرق أوروبا تبنت مواقف أكثر تحفظًا تجاه استقبال اللاجئين، مدفوعة بصعود تيارات سياسية تعتبر الهجرة تهديدًا للهوية الوطنية والاستقرار الاجتماعي.
مقاربات سياسية ظرفية
بدوره، رأى الحقوقي والإعلامي الإثيوبي أنور إبراهيم أن التصنيفات الأمريكية المتعلقة بجماعة الإخوان تظل أقرب إلى مقاربات سياسية ظرفية منها إلى أحكام قانونية صارمة، معتبرًا أنها تتغير بتغير السياقات الدولية والتحالفات الجيوسياسية أكثر من ارتباطها بثوابت قانونية مستقرة في تعريف الإرهاب.
وأشار إلى أن جماعة الإخوان، بصورتها التنظيمية العالمية، استطاعت تاريخيًا الاندماج بدرجات متفاوتة داخل مجتمعات متعددة، ما منحها في بعض السياقات طابعًا أقرب إلى العمل المدني والاجتماعي مقارنة بتنظيمات مسلحة اعتمدت على العمل السري أو الجغرافي المعزول.
وأكد أن الربط بين الإخوان وبعض التنظيمات المتطرفة لا يمكن إنكاره بالكامل من حيث وجود تقاطعات فكرية أو انشقاقات تاريخية، لكنه شدد على أن تحويل هذه التقاطعات إلى أساس لتصنيف شامل كتنظيم إرهابي لا يعكس بالضرورة الواقع التنظيمي أو البنيوي لكل الفروع والامتدادات.
فلسفة مكافحة الإرهاب
من جهتها، قالت الحقوقية المصرية أسماء رمزي إن الوثائق والتصريحات الأمريكية تشير إلى تحول جوهري في فلسفة مكافحة الإرهاب، يقوم على إعادة صياغة مفهوم “التهديد” ليشمل نطاقًا أوسع من التنظيمات المسلحة التقليدية، ويمتد إلى شبكات أيديولوجية وحركات سياسية عابرة للحدود.
وأضافت أن هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق السياسي داخل واشنطن، حيث يتداخل الأمن مع الهوية والهجرة والاستقطاب الداخلي.
وأكدت أن تحويل النقاش الأكاديمي حول تأثير بعض أدبيات الإسلام السياسي إلى حكم سياسي وقانوني يربط بين الإخوان والقاعدة وداعش كامتداد تنظيمي مباشر، يبقى محل خلاف واسع بسبب الاختلافات الجوهرية في البنية التنظيمية وآليات العمل والموقف من الدولة الوطنية والعنف المسلح.
التفكير الأمني الأمريكي
وقال الكاتب والباحث السياسي أحمد شيخو إن وثيقة “الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب 2026” تمثل تحولًا جوهريًا في بنية التفكير الأمني الأمريكي، واصفًا إياها بأنها من أبرز التحولات في السياسة الخارجية والأمن القومي منذ هجمات 11 سبتمبر 2001.
وأوضح أن الاستراتيجية الجديدة لا تكتفي بملاحقة التنظيمات المسلحة التقليدية، بل تمتد إلى ما تعتبره واشنطن “البنية التحتية الفكرية والمالية” للتطرف، وفي مقدمتها بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين.
وأضاف أن إدراج الجماعة ضمن هذا الإطار يُقرأ من وجهة النظر الأمريكية باعتباره محاولة لتفكيك البيئة التي ترى واشنطن أنها قد تُستخدم في التجنيد أو التمويل أو توفير غطاء سياسي واجتماعي لبعض التيارات المتطرفة، مع الإشارة إلى أن هذا الطرح لا يزال محل جدل حقوقي وقانوني واسع.
وأشار إلى أن الاستراتيجية تستند إلى ثلاثة مسارات رئيسية لتبرير استهداف بعض فروع الجماعة، تشمل البعد الأيديولوجي، والبنية المالية واللوجستية، وتداخل بعض الكوادر مع جماعات متطرفة، معتبرًا أن واشنطن تسعى لبناء تصور أمني شامل يتعامل مع الشبكات العابرة للحدود باعتبارها منظومة مترابطة لا ملفات منفصلة.
وختم بالقول إن استراتيجية 2026 تمثل إعادة صياغة شاملة لمفهوم الحرب على الإرهاب، إذ لم تعد المواجهة مقتصرة على السلاح، بل امتدت إلى الفكرة والتمويل والبنية الاجتماعية، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها تشديد غير مسبوق في مقاربة الإرهاب، مقابل اختبار صعب للتوازن بين الأمن والحرية في النظام الدولي المعاصر.
نقلاً عن موقع صفر...
من زوايا العالم