تسير ليبيا بخطوات متسارعة نحو إغلاق أحد أكثر ملفاتها الإنسانية تعقيداً، مع اقتراب إقرار قانون شامل يعالج قضية المفقودين والمختفين قسرياً، في إطار جهود العدالة الانتقالية وإنهاء معاناة آلاف الأسر.
ويأتي هذا التحرك بالتوازي مع نشاط ميداني لتأهيل الكوادر القانونية وتطوير آليات المساءلة، بما يعكس توجهاً رسمياً وجاداً للتعامل مع هذا الملف الممتد منذ سنوات.
وشهدت العاصمة التونسية اجتماعاً مهماً للجنة الخبراء المعنية بصياغة الإطار القانوني للأشخاص المفقودين، التابعة لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بمشاركة ممثلين عن مؤسسات سيادية عدة، من بينها مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة ووزارات العدل والداخلية والخارجية، في مؤشر على تزايد الاهتمام السياسي والقانوني بالقضية.
وأسفر الاجتماع، المدعوم من بعثة الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عن إعداد مسودة شبه نهائية لقانون المفقودين، تمهيداً لإحالته إلى الجهات التشريعية لاعتماده.
ويهدف التشريع المرتقب إلى تعزيز استقلالية الهيئة المختصة بالبحث عن المفقودين والتعرف عليهم، ومواءمة القوانين المحلية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، إضافة إلى إنشاء سجل وطني موحد يضمن حماية البيانات وتنسيق الجهود بين الجهات المعنية، مع توسيع حقوق الضحايا وملاحقة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
وفي هذا السياق، اعتبر النائب ميلود الأسود أن القانون يمثل خطوة أساسية لحماية حقوق الأسر وتحديد المسؤوليات، بينما يرى ذوو المفقودين أن إقراره قد يسهم في إنهاء التداخلات القانونية التي عطلت هذا الملف لسنوات.
وبالتوازي مع المسار التشريعي، اختتم عدد من المحامين برنامجاً تدريبياً متخصصاً ركّز على الدعم القانوني لأسر المختفين، من خلال تدريب عملي شمل محاكاة إجراءات التوثيق وبناء الملفات القانونية ومرافقة الأسر في المسارات الإدارية والقضائية.
ويأتي هذا البرنامج ضمن مشروع تجريبي في مدينتي تاورغاء وترهونة، يستهدف إنشاء منظومة متكاملة لتقديم الخدمات القانونية والدعم النفسي، عبر تعاون مع منظمات المجتمع المدني، بما يحقق مقاربة تجمع بين العدالة والبعد الإنساني.
من جانبه، يرى الحقوقي جمال المبروك أن التحدي في ليبيا لا يكمن في نقص التشريعات، بل في ضعف تطبيقها، مشيراً إلى أن القوانين القائمة يمكن أن تشكل أساساً لمحاسبة المتورطين في جرائم الإخفاء القسري، إلى حين اعتماد القانون الجديد.
كما حذر من استمرار حالة الانفلات وتأثيرها الاقتصادي، معتبراً أن بعض الجهات الخارجة عن القانون تستغل الفوضى لارتكاب انتهاكات، من بينها الإخفاء القسري.
ورغم هذه التحركات، لا تزال التحديات قائمة، في ظل بيئة قانونية وأمنية هشة، حيث سجلت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان مئات الشكاوى خلال الربع الأول من عام 2026، تتعلق بانتهاكات متعددة، ما يعكس استمرار الضغوط على منظومة العدالة.
وأشار التقرير إلى تراجع سيادة القانون واستمرار الانتهاكات بحق النازحين، إلى جانب عدم تنفيذ بعض الأحكام القضائية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الإنساني.
وفي محاولة لتعزيز المساءلة، تمت إحالة مئات القضايا إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية، في خطوة تعكس مساعي مستمرة لكسر دائرة الإفلات من العقاب، رغم تعقيدات الوضع في ليبيا.