بدأ حلف شمال الأطلسي "الناتو"، أمس الاثنين، مناورات عسكرية دورية تُنظَّم كل عامين في منطقة القطب الشمالي، بمشاركة بارزة من القوات الأمريكية والدنماركية، وسط تقديرات بأنّ ملف جزيرة غرينلاند قد يتراجع في سلم الأولويات الأمريكية بسبب التطورات الأمنية المتسارعة في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي.
وبحسب ما نقلته وكالة رويترز، تحمل المناورات اسم الاستجابة الباردة، وتهدف إلى تعزيز قدرات الحلف على الدفاع عن أراضيه في القطب الشمالي الأوروبي، حيث تمتلك كل من النرويج وفنلندا، العضوين في الحلف، حدودًا برية طويلة مع روسيا.
ومن المقرر أن تستمر التدريبات العسكرية حتى الثالث عشر من الشهر الجاري، مع تركيز غير مسبوق على دور المدنيين، سواء الأفراد أو المؤسسات، في دعم المجهود العسكري للقوات المسلحة والمساهمة في حماية المنشآت الاستراتيجية خلال أوقات الحرب.
وفي هذا السياق، أعلنت النرويج، التي تستضيف المناورات بالتعاون مع فنلندا، أن عام 2026 سيكون عام "الدفاع الشامل"، وهو برنامج يهدف إلى رفع جاهزية المجتمع المدني والشركات والهيئات العامة لمواجهة الحروب والأزمات والكوارث المحتملة.
تأتي هذه المناورات في إطار مساعٍ لإعادة ترتيب أولويات الأمن داخل حلف حلف شمال الأطلسي، خاصة بعد الخلافات التي ظهرت مؤخرًا بين بعض أعضائه على خلفية رغبة الولايات المتحدة في ضم غرينلاند وانتزاع سيادتها من الدنمارك.
وقد أثارت هذه الطموحات، التي عبّر عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفريقه السياسي، توترات داخل الحلف الأطلسي، حيث اعتبرت كوبنهاغن في أكثر من مناسبة أن أي محاولة أمريكية لانتزاع الجزيرة بالقوة قد تضع مستقبل الحلف على المحك.
ويرى مراقبون عسكريون أن المناورات الحالية تمثل محاولة لإعادة توجيه بوصلة الصراع نحو الخصوم الاستراتيجيين التقليديين، وعلى رأسهم روسيا والصين، إذ تحاكي بعض سيناريوهاتها هجمات مشابهة لتلك التي تنفذها موسكو ضد مناطق استراتيجية ومدنية في أوكرانيا.
ويشير خبراء إلى أن المشاركة الواسعة للقوات الأمريكية والدنماركية في هذه المناورات قد تعكس اقتناعًا متزايدًا داخل البيت الأبيض بعدم المضي حاليًا في خيار انتزاع السيادة الدنماركية على غرينلاند، مقابل التركيز على تأمين المصالح الأمريكية المرتبطة بالطاقة والمعادن وتوسيع الوجود العسكري في الجزيرة، وهو توجه لا تعارضه الدنمارك.
ووفق مصادر إعلامية مطلعة، تشارك في مناورات الاستجابة الباردة نحو 14 دولة، من بينها الولايات المتحدة والدنمارك، ويبلغ عدد القوات المشاركة حوالي 25 ألف جندي.
وتدفع الولايات المتحدة بنحو أربعة آلاف جندي ضمن هذه التدريبات التي تُجرى في شمال النرويج وفنلندا، في حين تشير التقديرات إلى مشاركة آلاف الجنود الدنماركيين أيضًا.
وتسعى كوبنهاغن إلى استثمار هذه المناورات لتعزيز التعاون العسكري مع الولايات المتحدة وتخفيف حدة الخلافات السياسية بين البلدين، عبر التركيز على المصالح المشتركة.
ويرى محللون أن فكرة بسط السيادة الأمريكية على غرينلاند لم تعد أولوية ملحّة لدى الإدارة الأمريكية في الوقت الحالي، في ظل انشغالها بملفات عسكرية وأمنية أخرى في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.
ويشير متابعون إلى أن العقيدة العسكرية الأمريكية الجديدة، التي تعتبر النصف الغربي من الكرة الأرضية مجالًا حيويًا لواشنطن، دفعت الإدارة الأمريكية إلى توجيه اهتمام أكبر نحو أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، وهو ما انعكس في التحركات الأمريكية الأخيرة في فنزويلا واحتمال تصعيد مشابه في كوبا.
كما يربط المراقبون هذا التوجه بإطلاق تحالف درع الأمريكيتين في ميامي بمشاركة 12 دولة من أمريكا اللاتينية، إضافة إلى توقيع إعلان للأمن المشترك مع 17 دولة في المنطقة.
وتضع الولايات المتحدة في مقدمة أهدافها العسكرية هناك ثلاثة ملفات رئيسية: مكافحة تهريب المخدرات، والحد من الهجرة غير النظامية، وتقليص نفوذ روسيا والصين وإيران في المنطقة.
ولإظهار تراجع أولوية ملف غرينلاند، يشير خبراء إلى قرار الجيش الأمريكي سحب سرب من مقاتلات إف‑35 من المناورات الحالية وإعادة نشره في مناطق توتر أخرى يُرجح أن يكون بينها الشرق الأوسط.
وقال متحدث باسم مشاة البحرية الأمريكية في أوروبا لوكالة رويترز إن القوات الأمريكية تنتشر في مختلف أنحاء العالم، ومن الطبيعي إعادة توزيع الوحدات أو تغيير مهامها وفقًا للظروف والاحتياجات العسكرية.
ورغم تراجع أولوية الجزيرة القطبية في الوقت الراهن، يرى مراقبون أن ذلك لا يعني إسقاط خيار ضم غرينلاند نهائيًا، إذ لا تزال مواردها الطبيعية الضخمة، خاصة في مجالي الطاقة والمعادن، تشكل عامل جذب قويًا للولايات المتحدة.
ويتوقع بعض الخبراء أن يعود هذا الملف إلى الواجهة خلال النصف الثاني من الولاية الرئاسية لـ دونالد ترامب، خصوصًا إذا نجح الجمهوريون في تحقيق نتائج قوية في انتخابات التجديد النصفي، وتمكنت الإدارة الأمريكية من تهدئة أو إغلاق بعض الملفات الساخنة في فنزويلا وكوبا ونيكاراجوا، إلى جانب ملفات إيران وقطاع غزة في الشرق الأوسط.
ومع ذلك، يرجح مراقبون أن تظل هذه السيناريوهات بعيدة التحقيق في المدى القريب، في ظل تعقّد الأوضاع العسكرية والاقتصادية والسياسية عالميًا، وهو ما قد يبقي ملف غرينلاند في هامش الأولويات الأمريكية خلال الفترة الحالية.
القصة كاملة
من زوايا العالم