بث تجريبي

بـ«سلاح المسيّرات».. . غزو أمريكي لسوق السلاح الآسيوي لمواجهة الصين

شهد معرض سنغافورة الجوي هذا الأسبوع حضورًا بارزًا لشركات أمريكية متخصصة في تصنيع الطائرات المسيّرة، في دلالة واضحة على تحوّل استراتيجي متسارع داخل سوق السلاح الآسيوي، ويعكس هذا الحضور تنامي اهتمام هذه الشركات بتوسيع نطاق أعمالها خارج إطار العقود التقليدية مع البنتاجون، والتوجّه نحو جيوش آسيوية تبحث عن أدوات ردع فعّالة في بيئات نزاع محتملة، وعلى رأسها منطقة مضيق تايوان.

ويأتي هذا التوجه في ظل تصاعد المخاوف الإقليمية من تنامي القدرات العسكرية الصينية، ما دفع دولًا آسيوية إلى إعادة النظر في أولوياتها الدفاعية، والتركيز بشكل متزايد على الطائرات غير المأهولة كوسيلة عملية ومرنة لتعزيز قدراتها العسكرية. وقد تصدّرت الطائرات المسيّرة، بمختلف أحجامها ومهامها، مشهد المعروضات في المعرض، بدءًا من الطائرات الرباعية الصغيرة المخصصة للهجمات الانتحارية، وصولًا إلى الطائرات القتالية غير المأهولة المصممة للعمل جنبًا إلى جنب مع المقاتلات التقليدية.

ويعكس هذا الزخم تحوّلًا لافتًا في أنماط الشراء العسكري في المنطقة، حيث باتت الأنظمة ذاتية التشغيل وشبه ذاتية التشغيل تحظى بأولوية متزايدة مقارنة بالطائرات المأهولة مرتفعة التكلفة، سواء من حيث السعر أو المخاطر التشغيلية.

ولعبت الحرب في أوكرانيا دورًا محوريًا في تسريع هذا التحول، إذ كشفت ساحات القتال عن الفعالية الكبيرة للطائرات المسيّرة في مهام الاستطلاع والهجوم والتشويش الإلكتروني، ما شجّع شركات التكنولوجيا الدفاعية، خاصة في وادي السيليكون، على ضخ استثمارات واسعة في هذا القطاع، كما اكتسبت شركات مثل "أندوريل إندستريز" و"شيلد إيه آي" و"نيروس تكنولوجيز" و"إيروفايرمونت" خبرات تشغيلية مباشرة من خلال تزويد أوكرانيا بأنظمة غير مأهولة، وتسعى اليوم إلى توظيف هذه الخبرة لجذب عملاء جدد في السوق الآسيوية.

وفي معرض سنغافورة، عرضت شركة Shield AI طائرتها المسيّرة للاستطلاع من طراز "V-BAT"، والتي يُقدّر سعرها بنحو 700 ألف دولار، إلى جانب إعلانها عن شراكة مع شركة ST Engineering السنغافورية لتزويدها بمنصة الذكاء الاصطناعي والتشغيل الذاتي المعروفة باسم "هايفمايند"، وتهدف هذه الأنظمة إلى العمل بكفاءة في بيئات تتعرض لتشويش مكثف على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) وشبكات الاتصال، وهي ظروف يُتوقع أن تكون سمة رئيسية لأي صراع محتمل مع الصين.

وتقود شركة أندوريل هذا التوسع الأمريكي في آسيا، إذ بلغت قيمتها السوقية نحو 30 مليار دولار في عام 2025، وافتتحت مكاتب لها في تايوان وكوريا الجنوبية واليابان، كما نجحت بالفعل في بيع طائرات مسيّرة مزوّدة بذخائر إلى تايوان، وإلى جانب الطائرات الأصغر حجمًا، عرضت أندوريل وشيلد إيه آي نماذج من ما يُعرف بـ"طائرات القتال التعاونية" أو "الجناح المخلص"، وهي طائرات غير مأهولة تصل تكلفة الواحدة منها إلى نحو 30 مليون دولار، ومصممة لمرافقة الطائرات المقاتلة المأهولة خلال المهام القتالية.

من جهتها، أعلنت شركة Neros Technologies عن خطط لإنشاء منشآت تصنيع وتخزين في كوريا الجنوبية والفلبين وسنغافورة واليابان، بهدف توفير طائرات مسيّرة قابلة للاستهلاك السريع، ووصفتها بأنها قادرة على إلحاق خسائر كبيرة بالقوات الصينية في حال اندلاع صراع عسكري، كما كشفت شركة Red Cat عن بيع طائرتها "Black Widow" المخصصة للاستطلاع قصير المدى إلى جهة لم يُكشف عنها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

ويؤكد مسؤولو هذه الشركات أن الطلب المتزايد في آسيا يعود إلى الحاجة الملحّة لتعزيز قدرات الاستخبارات والمراقبة وتنفيذ الضربات الدقيقة، لا سيما في ظل التوقعات باستخدام واسع للتشويش الإلكتروني في أي مواجهة مستقبلية، وبالنسبة للعديد من الدول الآسيوية، تمثّل الطائرات المسيّرة خيارًا فعالًا من حيث التكلفة لتعويض الفجوة العددية والتكنولوجية مع الصين.

في المحصلة، يعكس هذا التوسع الأمريكي عبر شركات القطاع الخاص تحولًا أعمق في معادلة الردع الإقليمي، حيث لم يعد الاعتماد مقتصرًا على القواعد العسكرية والتحالفات التقليدية، بل أصبحت الطائرات المسيّرة والأنظمة الذاتية عنصرًا محوريًا في إعادة تشكيل موازين القوة في آسيا، بما يشير إلى أن صراعات المستقبل في المحيط الهادئ قد تُحسم بالخوارزميات والذكاء الاصطناعي بقدر ما تُحسم بالقوات التقليدية.

قد يهمك