وجّهت فرنسا تحذيرًا مباشرًا للإدارة الأمريكية من مغبة المضي في أي خطوات تستهدف الاستيلاء على إقليم جرينلاند، مؤكدة أن مثل هذا المسار قد يعرّض العلاقات الاقتصادية بين أوروبا والولايات المتحدة—الأكبر عالميًا—لخطر جسيم.
وقال وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور، في تصريحات لصحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، إنه نقل إلى وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، خلال لقاء في واشنطن، “رسالة واضحة لا تحتمل التأويل”، مفادها أن المساس بجرينلاند يمثل “خطًا أحمر”.
وشدد ليسكور على أن جرينلاند إقليم يتمتع بالسيادة ويتبع لمملكة الدنمارك، وهي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، مؤكدًا ضرورة احترام القواعد الدولية وسيادة الدول. ورغم لهجة التحذير، دعا الوزير الفرنسي إلى استمرار الحوار بين الحلفاء التاريخيين، مشيرًا إلى عمق العلاقات الفرنسية–الأمريكية الممتدة لنحو 250 عامًا، بشرط عدم تجاوز الخطوط الحمراء.
وحول احتمال اتخاذ إجراءات اقتصادية أوروبية في حال الإقدام على عمل عسكري، امتنع ليسكور عن الخوض في تفاصيل، مكتفيًا بالقول إن أوروبا “ستدخل مرحلة مختلفة كليًا وستتكيّف مع الواقع الجديد”.
وتأتي هذه التصريحات على خلفية قلق أوروبي متزايد أثارته مواقف متكررة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تحدث فيها عن رغبته في الاستحواذ على جرينلاند “بأي وسيلة”. ووصف الوزير الفرنسي طريقة تعامل واشنطن الراهنة بأنها “مفارقة محيّرة”، إذ تتأرجح بين سلوك الحليف التقليدي وتصرفات يصعب التنبؤ بها.
وتكتسب التحذيرات الفرنسية وزنًا إضافيًا في ظل تشابك المصالح الاقتصادية، حيث بلغت قيمة التبادل التجاري في السلع والخدمات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أكثر من 1.6 تريليون يورو خلال عام 2024، ما يجعلها أكبر علاقة تجارية ثنائية في العالم، وتُعد الولايات المتحدة السوق الأولى لصادرات التكتل الأوروبي.
كما امتدت نقاط الخلاف إلى الملف التكنولوجي، إذ أشار ليسكور إلى اعتراضات أمريكية على الغرامات الأوروبية المفروضة على شركات التكنولوجيا الكبرى، مؤكدًا في المقابل أن القوانين الأوروبية ستُطبق على جميع الشركات العاملة داخل السوق الأوروبية دون استثناء.
وبرغم التباينات، لفت الوزير الفرنسي إلى فرص تعاون قائمة، خاصة في إطار مبادرة فرنسية ضمن مجموعة السبع لتنويع سلاسل إمداد المعادن الأرضية النادرة وتقليل الاعتماد على الصين، مع استعداد أمريكي للعمل المشترك في هذا المجال.
داخليًا، تواجه باريس تحديات سياسية ومالية تعقّد طموحاتها، في ظل عجز كبير في الموازنة وحالة شلل برلماني، ما يضع حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون أمام خيارات صعبة لتمرير موازنة عام 2026 وخفض العجز المالي.