من الأهمية البناء على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخاصة بفرص السلام بين كرد سوريا وفصائل المرتزقة التابعة لحكومة دمشق المؤقتة، والاستماع إلى وجهة نظر المبعوث الأمريكي توم باراك، والذي يتمتع بعلاقة طيبة مع الطرفين، وصولا إلى انتظار ترامب لنهاية السلام بين الطرفين والخروج من المأزق الراهن بعد الهجمات على الأحياء الكردية في حلب بالأسلحة الثقيلة التي تشنها هيئة تحرير الشام التي تسيطر على دمشق.
لا شك أن استمرار الهجوم والاشتباكات يعرقل أي جهود للتوصل لتسوية سلمية، ومحاولة لتخريب حل معقول، ويعد دلالة على فشل الحكومة الانتقالية، والتي تتحمل المسؤولية بالدرجة الأولى في إدارة المرحلة الانتقالية وإدارة الملفات الحساسة.
ومن المنطقي إذا أراد الشرع وحكومة دمشق المؤقتة أن تكون حكومة شرعية تضمن وحدة سوريا، ينبغي عليهم إعادة النظر في مسألة التخلي عن رؤيتهم الضيقة في عدم قبول وجود شعوب وأديان مختلفة، واقتصار هدفهم على إقامة دولة قومية تقوم على أمة واحدة ولغة واحدة وثقافة واحدة ودين واحد، فضلا عن ارتكابهم لجرائم إبادة جماعية ضد مختلف الهويات.
كما ينبغي استغلال انخراط الكرد في الحوار، والذي تم استئنافه مؤخرا، في حين أن الهجمات وتجدد الاشتباكات إنما يعد محاولة لتخريب عملية الحوار والحل المنطقي، حيث إن الهجمات معروف لدى الجميع أن هدفها طمس الهوية الكردية، كما أنها تعد طريقا معاديا للشعوب والأديان التي لا تتفق مع هيئة تحرير الشام وفكرها الذي يكرس في الأذهان عودة النظام البعثي من جديد، ولكن هذه المرة سنكون أمام بعث ملتح قابع على أنفاس سوريا مثل الكابوس.
من المؤكد أن دعوة ترامب الساعي للحصول على جائزة نوبل في السلام لتوقف الاشتباكات والعودة للمفاوضات يستلزمها انتهاج الشرع وحكومته سياسة تضمن وحدة سوريا مع الشعب الكردي وباقي الشعوب، بدلا من مهاجمة شعب يتطلع لبناء سوريا ديمقراطية تقوم على أسس ديمقراطية، ولا تذهب لإخضاع المكونات بقوة السلاح ومن خلال مرتزقة تهاجم الكرد بجماعات فاشية أدرجتها إنجلترا مؤخرا لقائمة الإرهاب.
ومن البديهي أن يدافع الكرد عن منازلهم، حيث إن الدفاع عن الأوطان والمنازل هي أسمى أنواع الجهاد، وبالتالي لم يتخل الكرد عن الدفاع عن الأحياء التي عاشوا فيها منذ أكثر من مائة عام، سواء بالأشرفية أو الشيخ مقصود وغيرهما، حيث يسعى الكرد في هذه الأحياء للحفاظ على هويتهم وثقافتهم في سبيل الانضمام لسوريا الديمقراطية.
والكثير من المراقبين الدوليين يدركون أن المرتزقة التي تهاجم حلب حاليا هي مرتزقة ذات عقلية مشابهة لداعش، وقد دربتها وسلحتها تركيا، وتقدم نفسها على أنها الجيش الوطني السوري، ولذلك فإن دفاع وسائل الإعلام الموالية للحكومة في تركيا يؤكد على تورط تركيا في دعمها.
وإذا كانت هناك دعوات لتركيا لدعم الكرد في سوريا نظرا لأنهم أقارب كرد تركيا، كما تدعم تركيا التركمان، فضلا عن التطلع لأن تلعب دورا إيجابيا في سوريا، خاصة إذا ما كانت راغبة في بناء قرن جديد قائم على الأخوة الكردية.
ولا يمكن إنكار أن تركيا لها نفوذ كبير على الفصائل بشمال حلب، وتستطيع الضغط على تحرير الشام إذا أرادت، ولكنها تستخدم الاشتباكات غالبا كورقة ضغط على قسد.
وينبغي إدراك أن التدخلات الخارجية سواء من الشمال إلى الجنوب هو السبب في سقوط المئات من الضحايا، وأن أهداف التدخل تقسيم سوريا بإشعال الفتنة بين أبناء الوطن الواحد حتى يظلوا في تناحر إلى ما لا نهاية، وبما يحقق أهدافهم الخبيثة.
لذلك من الحكمة الاستجابة لدعوة العقلاء للعودة إلى الحوار كمسار سياسي سلمي، حيث إن السلاح لا يمكنه حل المشاكل والقضايا بقدر ما أنه ضرورة لحماية مقدرات وحدود وسيادة الدول.
من الأهمية التغلب خلال الفترة المقبلة على أي جمود سياسي حتى لا نترك تكهنات وتساؤلات حول إذا ما كانت المنطقة سوف تشهد تمديدا غير محدود للوضع الراهن من عدمه.