أكد عضو المجلس التنفيذي لمنظومة المجتمع الكردستاني، مصطفى قره سو، إن تحقيق السلام يتطلب من الدولة التركية اتخاذ خطوات ملموسة، مشيراً إلى ضرورة إرساء ضمانات قانونية وديمقراطية، وحماية حقوق الإيزيديين في شنكال، وتطوير بديل اشتراكي ديمقراطي لمواجهة أزمة الرأسمالية.
وأضاف قره سو، في تصريحات لقناة "ميديا خبر" التلفزيونية، أن مسار حل القضية الكردية مع دخول العملية عامها الثالث، والخطوات التي اتخذتها حركة التحرر الكردستانية، وأسباب عدم اتخاذ الدولة التركية خطوات مقابلة. كما تطرق أوضاع السجناء، ومفهوم الجمهورية الديمقراطية، واتفاق الاندماج بين الإيزيديين والدولة العراقية في شنكال، إضافة إلى الحركات الشبابية في أوروبا وأوجه القصور لدى القوى اليسارية والاشتراكية، وإلى نص الحوار:-
بعد مرور عامين على دعوة دولت بهجلي، لم يُنفّذ الوعد المتعلق بـ "حق الأمل". وقد بذل الزعيم الكردي عبد الله أوجلان جهوداً كبيرة للحفاظ على وقف إطلاق النار، لكن لم تُتخذ خطوات لضمان حريته الجسدية. ما الذي تودون قوله في هذا الشأن؟
بلا شك، هذه مسألة مهمة. فقد وجّه دولت بهجلي دعوته إلى الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، لأن الجميع يعلم أن القضية الكردية لا يمكن حلها من دونه. وقال بهجلي إنه إذا تحدث عبدالله أوجلان في البرلمان وحلّ تنظيمه، فيمكنه الاستفادة من "حق الأمل".
وقد اتُخذت خلال العامين الماضيين خطوات عدة، إذ تحقق وقف إطلاق النار، وحلّ التنظيم نفسه، وانتهى الكفاح المسلح ضد تركيا، وأُحرقت الأسلحة، وانسحبت القوات الموجودة داخل الأراضي التركية إلى خارجها.
لكن من غير المقبول أن تُطلب هذه الخطوات من حركة التحرر الكردستانية، ثم لا تُنفّذ الوعود المقدمة إلى أوجلان، وفي مقدمتها حق الأمل.
إذا كان من المقرر حل القضية الكردية الممتدة منذ قرن، فيجب تغيير وضع الزعيم الكردي، الذي يراه الشعب الكردي وحركة التحرر المفاوض الرئيسي. وينبغي ألا تبقى اللقاءات معه سرية، بل يجب تحديد دوره بصورة واضحة، ومنحه فرصة العمل بحرية بصفته طرفاً أساسياً في المفاوضات.
إن عدم توفير ظروف حرة للعمل والحياة أوجلان سيحول دون تقدم العملية. فمن المستحيل أن تتقدم ما لم تُفتح الطريق أمام حريته الجسدية.
إن وقف الحرب يمثل السلام السلبي، أما السلام الإيجابي فيعني حل القضية بصورة كاملة، واتخاذ الخطوات القانونية اللازمة لمنع تكرار المشكلات السابقة. ولذلك يجب إطلاق سراح عبد الله أوجلان.
بات الجميع متفقين على أن الطرف الذي لا يتخذ الخطوات اللازمة هو الدولة التركية. ما الأسباب الرئيسية التي تمنعها من ذلك؟
تعترف جهات وشخصيات في أوروبا وآسيا وأمريكا بأن حركة التحرر الكردستانية اتخذت خطوات مهمة من خلال حل تنظيمها وتعليق الكفاح المسلح، بهدف دفع الدولة التركية إلى الدخول في عملية حل سياسي.
لكن العقلية الحاكمة في تركيا لم تتغير بصورة كافية، إذ لا تزال تفتقر إلى إرادة إجراء تغييرات جذرية في القضية الكردية. فمن جهة تتحدث عن رغبتها في الحل، ومن جهة أخرى لا تعكس ممارساتها هذا التوجه.
كما تتعامل السلطة مع القضية الكردية باعتبارها أداة انتخابية ووسيلة للحفاظ على الحكم، بدلاً من النظر إليها بوصفها قضية تاريخية تتطلب حلاً جذرياً.
ومن جهة أخرى، تتعامل الدولة مع القضية وفقاً للظروف الإقليمية وعلاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا. فإذا رأت أن هذه العلاقات تتيح لها فرصة استئناف المواجهة مع حركة التحرر الكردستانية، فإنها لا ترى ضرورة لاتخاذ خطوات نحو الحل.
إن القضية الكردية ليست أداة للسياسة الداخلية أو الخارجية، بل مشكلة تاريخية لا يمكن حلها بهذه الحسابات. وهناك قوى عديدة لا تريد حلها، لأنها تسعى إلى استخدام الدولة التركية وفقاً لمصالحها ما دامت القضية قائمة.
أُبرم اتفاق اندماج بين الإيزيديين والدولة العراقية في شنكال. كيف تقيّمون هذا الإنجاز؟
نحن شديدو الحساسية تجاه القضية الإيزيدية، وكذلك الزعيم الكردي، لأن الإيزيدية تمثل أحد أقدم المعتقدات لدى الشعب الكردي، وتشكل قيمة إنسانية وتاريخية مهمة.
وعندما هاجم تنظيم داعش شنكال، كانت حركة التحرر الكردستانية أول من هبّ للدفاع عن الإيزيديين، وأسهم مقاتلوها بصورة حاسمة في إنقاذهم من الإبادة التي عُرفت بالإبادة الرابعة والسبعين.
وبعد انسحاب قواتنا العسكرية، استمر تأثيرنا الأيديولوجي، إذ ساهمت دعوات القائد في تشجيع الإيزيديين على تنظيم أنفسهم وحماية وجودهم.
واليوم تحقق اندماج مهم على الصعيد العسكري، إذ ستبقى وحدات مقاومة شنكال (YBŞ)، بوصفها قوة محلية ضمن الجيش العراقي، في منطقتها. وهذا أمر مهم، لأن تجربة هجوم داعش أظهرت ضرورة امتلاك الإيزيديين قوة عسكرية محلية قادرة على الدفاع عنهم، بعدما انسحب الجيش العراقي وقوات بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني خلال الهجوم.
لكن الاندماج العسكري وحده لا يكفي. ينبغي أيضاً تنظيم الوضع السياسي والإداري للإيزيديين على أساس قانوني، وضمان امتلاكهم بنية سياسية وإدارية خاصة بهم، وديمقراطية محلية تتيح لهم إدارة شؤونهم.
انطلقت حركة الشباب في فرنسا ثم امتدت إلى مختلف أنحاء أوروبا، وشملت فئات واسعة من المجتمع. ما أوجه القصور لدى القوى اليسارية والاشتراكية في هذه الحركات؟
ينبغي الاعتراف بأن الحداثة الرأسمالية تعيش أزمة عميقة، وأنها تحولت إلى نظام لم يعد قادراً على توفير حياة مناسبة للبشرية. لكن رغم هذا التراجع، لا تزال الاستعدادات الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية للقوى الاشتراكية ضعيفة، وهذا يمثل مشكلة جدية.
لقد طرح الزعيم الكردي عبد الله أوجلان أطروحات مهمة، تقوم على تجاوز التصور الاشتراكي التقليدي القائم على الدولة، وتؤكد قدرة المجتمع المنظم على إسقاط الرأسمالية من دون الحاجة إلى الدولة، وبناء الاشتراكية الديمقراطية مكانها.
ولهذا ينبغي للقوى الديمقراطية والاشتراكية أن تمارس النقد الذاتي، وأن تسأل نفسها: لماذا لا تستطيع تنظيم المجتمع بصورة فعالة؟ ولماذا تعجز عن الاستجابة لاحتياجات النساء والشباب والعمال؟
أما فرنسا، فلها تاريخ طويل من الثورات والانتفاضات، بدءاً من الثورة الفرنسية عام 1789 وصولاً إلى كومونة باريس. كما أن أزمة الرأسمالية، وأوضاع المهاجرين، وتصاعد اليمين المتطرف، كلها عوامل أسهمت في اتساع الاحتجاجات.
وقد كانت انتفاضة الشباب في فرنسا بمثابة شرارة، كما شهدت صربيا والبرتغال تحركات شبابية مهمة. وهذه الاحتجاجات تعكس رفض المجتمعات للواقع الذي تفرضه الأنظمة الرأسمالية.
إن القوى اليمينية تحاول معالجة أزمة الرأسمالية بالقوة، لكن ذلك يخدم مصالح القوى المهيمنة، وليس الشعوب. أما الاشتراكيون الديمقراطيون والليبراليون، فلا يستطيعون تقديم الحل، لأنهم، رغم خطابهم الموجه إلى الشعب، يواصلون الدفاع عن مصالح الطبقة الحاكمة.
نحن نمر بمرحلة تاريخية يمكن للقوى الاشتراكية الديمقراطية الحقيقية أن تقدم خلالها بديلاً. وإذا أجرت هذه القوى نقداً جدياً لتجارب الماضي، ووضعت برنامجاً صحيحاً وخطاً جديداً للنضال، فبإمكانها تحقيق تطورات مهمة وتأسيس إدارات اشتراكية ديمقراطية للشعوب في مناطق عديدة. ونحن نؤمن بإمكانية ذلك.