قال عضو في أكاديمية عبد الله أوجلان لعلم الاجتماع، بمناسبة الذكرى الثامنة والعشرين للمؤامرة الدولية التي بدأت في 9 تشرين الأول/أكتوبر 1998، إن المؤامرة استهدفت القضية الكردية، وتحدث عن أهدافها وتأثيراتها على مسار القضية، وانعكاساتها على حزب العمال الكردستاني.
وذكر كالكان أنَّ هدف المؤامرة الدَّوليَّة لم يكن القضاء على القائد آبو جسديَّاً فحسب، بل حتّى لو لم يتحقَّق ذلك، فقد كان يهدف إلى عرقلة النِّضال السِّياسي من خلال نظام إمرالي. وأشار كالكان إلى أنَّ أحد الأهداف الرَّئيسيَّة للمؤامرة كان إبقاء القضيَّة الكرديَّة من دون حلّ وتعميق الحرب في الشَّرق الأوسط.
قال كالكان، في تقييمه للوضع الرَّاهن: "إنَّ قوة المقاومة الدِّيمقراطيَّة لا تقلُّ عن قوة هجوم المتآمرين، بل هي على الأقلّ كذلك. بل إنَّها أقوى بكثير مما كانت عليه في البداية".
وأعرب كالكان عن استيائه الشَّديد من الاعتراف بوجود الكرد مع إنكار حقوقهم الجماعيَّة، وأشار إلى أنَّ مقولة "الكرد موجودون لكن ليس لهم حقوق" هي شكل جديد من أشكال عقليَّة الإنكار، وقال :إنَّ هذا المفهوم يُعدّ أحد العقبات الّتي تحوّل دون التَّوصُّل إلى حلّ ديمقراطي، وأضاف أنَّه بفضل الدَّروس المستفادة من التَّجارب السَّابقة، بلغت "التَّصميم على تجاوز العقبات" ذروتها.
قال دوران كالكان أيضاً عن نضال الـ 29 ضدَّ المؤامرة الدَّوليَّة: "ينبغي أنْ يكون نضال الـ 29 نضالاً من أجل تنميَّة وتنظيم حركة المجتمع الدِّيمقراطي وانتصار الجمهوريَّة الدِّيمقراطيَّة، يجب أنْ نضع أهدافاً سامية لنضال الـ 29. لا نقول إنَّهُ مستحيل، فتركيا تسير على طريق مصيري، إمَّا أنْ تصبح ديمقراطيَّة أو لا. وإلّا، ستحدث أمور سيئة، إذا لم نفكر في الأمور السَّيئة، فعلينا أنْ ندعم الخير والصَّواب".
كيف أثرت المؤامرة الدَّوليَّة في حركة التَّحرُّر؟ وما كانت أهداف وخطّط المتآمرين؟
أستذكر باحترام ومحبة الشُّهداء الفدائيّين الّذين شكلُوا حلقةً من النَّار حول المؤامرة وطوروا مقاومة عظيمة تحت شعار "لن تستطيعُوا حجب شمسنا". ونحن نعيش الذِّكرى الثَّامنة والعشرين للمؤامرة الدَّوليَّة الّتي بدأت في 9 تشرين الأول 1998.
القوى الّتي نظَّمت المؤامرةَ واضحة، والقائد آبو قيّم ذلك بالتَّفصيل. وبلا شك، كانت خطة وتنفيذ الولايات المتّحدة وإسرائيل وبريطانيا. وكان الهدف العملي القضاء جسديَّاً على القائد آبو. فعندما غادر سوريا في 9 تشرين الأول 1998 وأراد التَّوجه إلى اليونان، لم يسمحوا له بالوصول إليها، وأرادوا إسقاط الطَّائرة فوق البحر المتوسط والقضاء عليه. وعندما لم يتمكنوا من ذلك، وصلت الأمور إلى مؤامرة 15 شباط، وإلى نظام التَّعذيب والعزلة والإبادة في إمرالي، لماذا أرادوا القضاء على القائد آبو؟ لأنَّهُ كان يبحث عن حلِّ للقضيَّة الكرديَّة، ويريدُ نقلَ البحث عن الحلِّ من النِّضال المسلح إلى النِّضال السِّياسي والحلّ الدِّيمقراطي، وعلى أساس دمقرطة تركيا والشَّرق الأوسط. لقد ذهب إلى أوروبّا من أجل تطوير برنامج للحلِّ السِّياسي والدِّيمقراطي للقضيَّة الكرديَّة، ولذلك جرى الهجوم الدَّولي بهدف عرقلة ذلك.
ولهذا كان الهدف القضاء على القائد آبو جسديَّاً، وتصفية حزب العمال الكردستاني، ومن ثمَّ إبقاء القضيَّة الكرديَّة بلا حلّ. أرادوا تحويل القضيَّة الكرديَّة إلى سبب لحرب أعمق، وخلق حرب كرديَّة-تركيَّة تستمرُّ لعقود أو قرون، وتعميق الحرب والصِّراع في الشَّرق الأوسط، لم يتمكن المتآمرون من القضاء جسديَّاً على القائد آبو، كما لم يتمكنوا من هزيمته فكريَّاً داخل نظام التَّعذيب والعزلة في إمرالي. لكنَّهم أرادوا من خلال إبقائه في إمرالي ومنع نضاله السِّياسي تحقيق أهدافهم.
فلننظر إلى ما حدث في الشَّرق الأوسط خلال السَّنوات الثَّماني والعشرين الماضية. من إيران إلى الخليج والبحر الأحمر، ومن الشَّرق الأوسط إلى البحر المتوسط، وفي كلِّ أنحاء كردستان، هناك بحار من الدِّماء وحروب منتشرة. وهناك أطراف تستفيد من هذه الحروب والصِّراعات. والمتآمرون هم الطرفُ الّذي يحقّق الأرباح، ومن خلال بناء نظام التَّعذيب والعزلة في إمرالي واستمراره، عرقلوا الحلّ السِّياسي والدِّيمقراطي للقضيَّة الكرديَّة، ونشرُوا الحرب حولها في الشَّرق الأوسط. وكان الهدف عرقلة دمقرطة الشَّرق الأوسط ووحدته الدِّيمقراطيَّة على أساس الحلّ الدِّيمقراطي للقضيَّة الكرديَّة، كان الهدف، بدلاً من القضاء الجسدي على القائد آبو، منع نضاله السِّياسي عبر نظام العزلة في إمرالي، وإبقاء القضيَّة الكرديَّة بلا حلّ، وإدامة الحرب والصِّراع في كردستان، وقطع الطَّريق أمام دمقرطة الشَّرق الأوسط.
كانت خطَّة أمريكيَّة-إسرائيليَّة-بريطانيَّة، والولايات المتّحدة أدارتها بشكلٍ مباشرٍ، وأدخلت فيها الدَّول الأوروبِّيَّة وحتّى المنظَّمات الكرديَّة، ومارست الضَّغط على كلِّ من احتاجت إليه، كيف أثرت هجمات 9 تشرين الأول والمؤامرة الدَّوليَّة في حركتنا؟ كان تأثيرها ثقيلاً جداً. لقد مرَّتْ الحركة بمراحل مهمَّة، لكنَّ الحدث الأكثر تأثيراً في تاريخ حزب العمال الكردستاني كان هجوم المؤامرة الدَّوليَّة في 9 تشرين الأول 1998، وشكله الّذي اتَّخذه في 15 شباط، هزّ ذلك حركتنا بشدَّةٍ، وأوجد حالة جديدة من المراجعة الدَّاخليَّة. عاش الكوادر والقيادات والمجتمع والأصدقاء مراجعة عميقة، وطرحت أسئلة: ماذا سيحدث؟ ماذا سنفعل؟ وكيف ستتطور المرحلة؟ وجدَّد الجميعُ أنفسهم وانخرطوا من جديد، وبدأت مرحلةً جديدة من النِّضال، فهم البعض ذلك بعمق، وانخرطُوا بقوة، وفهموا القائد آبو بشكلٍ صحيحٍ، وطوروا حركة فدائيَّة على خط المقاومة تحت شعار "لن تستطيعوا حجب شمسنا". بينما بقي البعض في منتصف الطَّريق، وفقد آخرون ثقتهم وأملهم.
وهكذا دخل النِّضال والتَّنظيم والحركة مرحلة جديدة من المراجعة الدَّاخليَّة وتجديد الذَّات وإعادة البناء. ونشأ مقاتلون فهموا المؤامرة وحقيقة القيادة بشكلٍ صحيحٍ، وانخرطوا على الخط الفدائي، وطوّروا النِّضال ضدَّ نظام التَّعذيب والعزلة في إمرالي وضدَّ المؤامرة الدَّوليَّة. واستمرَّ النِّضال على هذا الخط حتَّى اليوم، لم يوجه القائد آبو رسالته إلى المجتمع الدَّولي في روما فقط. ففي 17 آذار 1993، خلال أول مؤتمر صحفي وإعلان وقف إطلاق النَّار من لبنان، أعلن أنَّهُ يبحث عن حلِّ سياسي وديمقراطي للقضيَّة الكرديَّة، وأنَّ النِّضال المسلح أدَّى دوره، وأنَّه يريد تغيير استراتيجيَّة النِّضال المسلح والبحث عن طرف مخاطب، استمرَّ هذا البحث منذ ذلك التَّاريخ. وكان آنذاك موجهاً إلى تركيا، أما في روما فنُقل إلى المستوى العالمي. ففي بداية عامي 1998 و1999 أعلن أمام العالم أنَّه يبحث عن طرف مخاطب من أجل الحلّ السِّياسي والدِّيمقراطي للقضيَّة الكرديَّة، وقدَّم برنامجاً مؤلفاً من ثماني مواد تقريباً.
كان البرنامج يتضمن الاعتراف بوجود الكرد وهويَّتهم وحقوقهم القوميَّة والدِّيمقراطيَّة، والاعتراف بأرضية يستطيع فيها الكرد العيش بهويَّتهم وثقافتهم بحرِّيَّة والحكم بأنفسهم. ولم يتضمن شيئاً يفرض ضغطاً على أحد أو ينتزع منه شيئاً. كان برنامجاً للدِّيمقراطيَّة في حدِّها الأدنى، ولو كان الاتِّحاد الأوروبّي ديمقراطيَّاً فعلاً، لكان ينبغي أنْ يدافع عن هذا البرنامج. لكنَّ القائد آبو، من خلال هذا النِّداء، اختبر من هو ديمقراطي ومن ليست ديمقراطيته سوى كلام. وقد ظهر أنَّ الدِّيمقراطيّين الحقيقيّين كانوا قلةً، مع وجود أشخاص وأحزاب دافعوا عنه فعلاً، لم يكن هذا البرنامج نداءً إلى الدَّول فقط، بل إلى المجتمع والإنسانيَّة جمعاء. وقد حُظِيَ بالدَّعم في إيطاليا وأماكن أخرى. وكانت الحكومة الإيطاليَّة آنذاك تريد إيجاد حل على أساسه، لكنَّها لم تتمكن من الوصول إلى الاتِّحاد الأوروبِّي، رفضت ألمانيا وفرنسا وإنكلترا ذلك تحت ضغط الولايات المتّحدة. وأعلن رئيس الوزراء الإيطالي آنذاك ماسيمو داليما أنَّ الرَّئيس الأمريكي كلينتون اتِّصل به هاتفياً ومارس عليه التَّهديد. كما جرى الضَّغط على دول أخرى لمنعها من أنْ تصبح طرفاً في الحلِّ الدِّيمقراطي للقضيَّة الكرديَّة.
إنَّ إنكلترا هي الّتي خلقت القضيَّة الكرديَّة وقسمت كردستان وأوجدت هذه القضيَّة. والولايات المتَّحدة وإسرائيل طبقتا هذه السِّياسة. وفي ظلِّ تطوُّر الحرب العالميَّة الثَّالثة، يظهر اليوم تحالف أمريكي-إسرائيلي يسعى إلى تغيير النِّظام الّذي أنشأته إنكلترا، خططت إدارة كلينتون للمؤامرة الدَّولية ونظَّمَتْها وأدارتها. أينما ذهب القائد آبو، مارست الضَّغط، على روسيا واليونان وإيطاليا وكينيا، وهدَّدَتِ الجميع لمنعهم من اتِّخاذ موقف مختلف تجاهه أو دعم الحلّ الدِّيمقراطي للقضيَّة الكرديَّة، لم تكن أوروبّا بديلاً في هذا الأمر، ولذلك لم تتمكن الحكومة الإيطاليَّة من عقد المؤتمر الكردي الّذي أرادت تنظيمه. وقفت ألمانيا وفرنسا وإنكلترا ضدَّهُ، لأنَّ الهدف كان منع حلِّ القضيَّة الكرديَّة والحلّ الدِّيمقراطي، ومنع تطوَّر الدِّيمقراطيَّة في الشَّرق الأوسط، وتحويل القضيَّة الكرديَّة إلى سبب للصِّراع والحرب، هذه القوى أطلقت المؤامرة، ومن خلال عرقلة البرنامج الّذي أُعلن في روما أرادت مواصلة المؤامرة وتحقيق أهدافها، وتحويل الشَّرق الأوسط إلى بحر من الدِّماء والحرب. وما زالت تحاول مواصلة ذلك حتّى اليوم.
بدأت فعَّاليَّات "لن تستطيعوا حجب شمسنا" في السَّجون بالتَّزامن مع المؤامرة، ثمَّ انتشرت في أنحاء العالم. كيف أثرت مقاومة شعبنا وتمسكه بقيادته بهذا الشَّكل في المؤامرة وحساباتها؟
نعم، هذا الأمر مهم جداً، ومن الضَّروري فهمه بشكلٍ أفضلٍ، إلى جانب فهم المؤامرة الدوليَّة: ما هي؟ ولماذا بدأت؟ وما أهدافها وأساليبها؟ ومن القوى الّتي وقفت وراءها؟ وماذا كانت تستهدف؟ وماذا تعني بالنَّسبة إلى الشَّعب الكردي ووجوده وحرِّيَّته؟ يجب الإجابة عن هذه الأسئلة بشكلٍ صحيحٍ، يمكن القول بوضوح إنَّ الكرد الّذين لا يفهمون المؤامرة الدَّوليَّة وهجماتها ولا يدركون حقيقتها، لا يستطيعون خوض نضال الوجود والحرِّيَّة، ولا يمكنهم أنْ يكونوا وطنيين كرداً. فإذا أراد المرء فهم الحقائق، فعليه أنْ يفهم حقيقة المؤامرة الدَّوليَّة الّتي بدأت في 9 تشرين الأول 1998 وتحوَّلت في 15 شباط 1999 إلى نظام العزلة والتَّجريد من الحرِّيَّة، وأنْ يدرك معناها وأهدافها والجهات الّتي تقف وراءها. فالوطنيَّة الكرديَّة والوقوف بصدقٍ وكرامةٍ ككردي، لا تنفصل عن فهم هذه الحقيقة.
إنَّ الطَّريق إلى فهم هذه الحقيقة هو النِّضال الّذي تطوّر ضدها. فقد بدأت مقاومة "لن تستطيعوا حجب شمسنا" في السَّجون في 9 تشرين الأول 1998، يوم بدء المؤامرة، ثمَّ انتشرت في أجزاء كردستان الأربعة وفي أنحاء العالم، من أوروبّا إلى روسيا، واتّخذت طابعاً فدائيَّاً، ولم يشهد التَّاريخ نضالاً مماثلاً في الدِّفاع عن القائد، وقد أوضح القائد آبو ذلك في مرافعاته، مبيناً حجم المسؤوليَّة الّتي ألقيت على عاتقه، وقال: إنَّ عبئاً ثقيلاً وُضِعَ على كتفيه، وإنَّ أموراً لم تُفعل بحقِّ أحد طوال التذَاريخ فُعِلَتْ بحقِّهِ، وإنَّهُ اضطرَّ إلى فهمها والرَّد عليها والعمل على مواجهتها.
وفي هذا السِّياق، تطوَّرت مقاومة الرَّفيق خالد أورال وآينور آرتان في السَّجون. ومن هناك بدأت هذه المقاومة، وأستذكر مرَّةً أخرى باحترام وامتنان جميع الشُّهداء الأبطال الّذين واصلوا النِّضال ضدَّ المؤامرة بأكملها، تحت شعار "لن تستطيعوا حجب شمسنا"، حتّى يومنا هذا، لولا هذه المقاومة، لكانت المؤامرة الدَّوليَّة قد حقَّقت أهدافها، ولكان القائد آبو بقي بلا حماية، وبلا شك، كان القائد آبو نفسه في طليعة القيادة والنِّضال ضدَّ المؤامرة، إذ استهدفته المؤامرة بشكلٍ مباشر، وكان هدفاً أكبر من أهداف حرب الكريلا، وقد حمل على عاتقه عبء النِّضال كلّه، وخاضه بموقفه وأسلوبه ومنهجه ومقاومته.
لكنَّ مقاومة شخص واحد لا تكفي وحدها لكشف الحقيقة وتحقيق النَّصر. فالّذين طوَّروا هذه المقاومة كشفوا حقيقة القيادة والمؤامرة، وأظهروا موقف الكردي الحرّ، وفهموا حقيقة القائد ونقلوها إلى المجتمع، ورفعوا مستوى وعيه ونظموه، ووجّهوا الفعَّاليَّات ضدَّ المؤامرة، والتفوا حول القائد آبو، ونظَّموا فعَّاليَّات فدائيَّة تحت شعار "لن تستطيعوا حجب شمسنا"، وأصبحوا شهداء لهذه المقاومة، وهكذا تحولت مقاومة القائد آبو إلى مقاومة شعبيَّة منظَّمة، وجرى تطويرها إلى مقاومة حقَّقت إنجازات على الصَّعيدين العملي والسِّياسي. فقد أعاد هذا النِّضال تشكيل الحركة، وطوّر أساليب جديدة للمقاومة والتَّنظيم، وأعاد بناء الحركة من جديد.
وكان الشَّهداء الفدائيون لشعار "لن تستطيعوا حجب شمسنا" رواد هذه العمليَّة؛ فمنحوا الحركة القوَّة والطَّاقة، وحدَّدوا اتّجاهها، وأضافوا إليها الشَّجاعة والتَّضحيَّة، وأزالوا التَّشاؤم والسَّلبيَّة، وأوضحوا حقيقة القيادة وما تعنيه، وكيف ينبغي أنْ يكون الارتباط الحقيقي بها، وكيف يجب خوض النِّضال ضدَّ المؤامرة على خط القائد، وأظهروا طريق الحياة والموقف الصّحيحين، لذلك أصبحوا رواداً وقادة ومصدر روح ووعي وطاقة وأسلوب وتكتيك واستراتيجيَّة لإعادة البناء؟، ولولا مقاومة "لن تستطيعوا حجب شمسنا" والمقاومة الفدائيَّة ضدَّ المؤامرة الدَّوليَّة، لما كان من الممكن إضعاف المؤامرة وتأخيرها وإفشالها، فقد أوضحُوا كلَّ شيءٍ، وخلقوا القوة والطَّاقة، وحقَّقوا التَّنظيم، وأثبتوا للجميع إمكانية المقاومة وتحقيق النَّصر في مواجهة المؤامرة الدَّوليَّة، وتعلَّم جميع الكوادر والأنصار والمقاتلين والنِّساء والرِّجال والمجتمع من الشُّهداء وساروا على خطاهم. وهكذا ظهر شعب وحركة توحدا في مواجهة المؤامرة الدَّوليَّة وناضلا ضدَّها. وأعادَت الحركة بناء نفسها، وتشكل المجتمع على خط المقاومة الفدائيَّة، وبرزت حقيقة شعب يقاوم ويناضل من أجل حرِّيَّته، وشعب يحمل روح الفداء.
وقد امتدَّت هذه الرُّوح الفدائيَّة، الّتي بدأت في مقاومات السَّجون مع مظلوم وخيري وكمال، واتَّسعت وانتشرت في المجتمع بأسره وتحوَّلت إلى عنصر أساسي فيه، وكل من يناضلون اليوم من أجل حرِّيَّة الكرد ويعيشون على خط الحرِّيَّة هذا يستندون إلى هذه الرُّوح وهذا الوعي الفدائي، ولهذا فإنَّ هؤلاء الشُّهداء كانوا روَّاداً ومبدعين لعصر جديد، فقد رسموا، في مواجهة المؤامرة الدَّوليَّة، طريق وجود الشَّعب الكردي وحرِّيَّته، وطوّروا الوعي والفكر والموقف، وفهموا حقيقة القائد بأفضل شكل، ولم يقدِّموا تنازلات، ونقلوا هذا الوعي وهذا الخط إلى المجتمع، وسيظلُّ هذا الدَّور حاضراً في الذَّاكرة التَّاريخيَّة على الدَّوام.
كيف أفشل القائد آبو، من خلال أيّ مقاربةٍ ونضالٍ، مؤامرة النَّاتو الّتي كان يتوقع أنَّها ستؤدي إلى الإبادة واستمرار الحرب الكرديَّة-التُّركيَّة لألف عام؟
ينبغي فهم الرُّوح والوعي والإرادة والموقف الّذي طور القائد آبو على أساسه المقاومة الفدائيَّة تحت شعار "لن تستطيعوا حجب شمسنا". فقد خلق القائد آبو هذه الرُّوح والوعي والأسلوب من خلال نضاله الطَّويل، وكانت مقاومة السَّجون ومقاومة الجبال من المراحل الّتي طورها أيضاً، عندما اخْتُطِفَ من كينيا ووضع في الطَّائرة، فكَّر أولاً في رفض كلّ شيءٍ، ثمَّ راجع نفسه وقال: إنَّ هدف الّذين أعدوا المؤامرة هو إسكاتي والقضاء عليّ ومنع فهم المؤامرة الدَّوليَّة. ولذلك خلص إلى أنَّ الموقف الصَّحيح هو النِّضال ضدَّ المؤامرة، وأنَّ عليه أنْ يفعل ذلك بنفسه، ومن هنا بدأ تفسير المؤامرة الدَّوليَّة وفهمها وتحليلها، ثمَّ إيصال ذلك إلى الحزب والشَّعب والرَّأي العام. وتطوير الوعي والتَّنظيم والنَّشاط ضدَّ المؤامرة الدَّوليَّة.
واليوم يستمرُّ نضال عالمي من أجل إفشال المؤامرة بشكلٍ كاملٍ، ومن أجل الحرِّيَّة الجسديَّة للقائد آبو، وإنهاء نظام التَّعذيب والعزلة والإبادة في إمرالي، والوصول إلى حلِّ ديمقراطي للقضيَّة الكرديَّة. ولم يعد هذا المطلب مطلب الحركة الكرديَّة وحدها، بل أصبح مطلباً لدى المضطهدين والشَّعوب والعمال والاشتراكيّين والدِّيمقراطيّين والمثقفين والفنّانين والسِّياسيّين في المنطقة والعالم.
ولطالما عرّف القائد آبو نضاله بأنَّهُ "حفر بئر الأفكار بإبرة"، وبدأ من الصّفر. وكان نضاله ضدَّ المؤامرة الدَّوليَّة أصعب، إذ واجه ظروفاً غير متكافئة تماماً، حيث امتلك الطَّرف الآخر كلَّ شيءٍ، بينما لم يكن يملك سوى روحه وفكره وشخصيَّته، لم يعتقد كثيرون أنَّ النِّضال يمكن أنْ يستمرَّ في إمرالي، بل ظهرت أصوات تقول إنَّ القائد آبو لم يعد قادراً على فعل شيء، لكنَّ القائد آبو وثق بقوَّة فكره ووعيه، ورأى إمكانية خوض النِّضال في ظروف إمرالي، ودعا شعبه إلى دعمه، وأخرج نضال إمرالي إلى الوجود بالوعي والفهم. قرأ وبحث وفكَّر وراجع، وكشف ماهية المؤامرة وأهدافها، وطوّر وعياً بكيفية النِّضال ضدَّها. وعلى هذا الأساس أجرى ثورة ذهنية وفكرية، وطوّر نموذج الحداثة الديمقراطية، وفصل الحرية والاشتراكية عن الدولة وأداة السلطة.
ومن خلال نظام إمرالي، أرادت القوى التي أعدَّت المؤامرة أن تمنع القائد آبو من التفكير، ومحاكمته فكريَّاً ودفعه إلى الانهيار. لكنه، من خلال مرافعاته، حاكم قوى المتآمرين وطرح خط الحل الديمقراطي والاشتراكي الديمقراطي ونموذج الحداثة الديمقراطية، مقدِّماً حلولاً للقضية الكردية وللمشكلات الاجتماعية، وكما فشلت القوى التي أعدَّت المؤامرة في القضاء الجسدي على القائد آبو، فشلت أيضاً في القضاء عليه فكريَّاً. فقد حوّل أفكاره، رغم العزلة والإمكانات المحدودة، إلى قوَّة وصلت إلى الحزب والرأي العام. ورغم محاولات إبقائه معزولاً في إمرالي وتصويره عاجزاً عن تقديم الحل، تحوَّل إلى قوَّة فكرية ونضالية عالمية، وخاصَّةً بالنسبة إلى النساء والشباب، وبدأ بتحطيم نظام العزلة في إمرالي خطوةً خطوة.
كيف أثرت المقاومة التاريخية في إمرالي في الخارج؟ وما النتائج التي حققتها؟ وكيف تمكنت الحركة من الخروج من ذلك أقوى؟
حاولت قبل قليل التعبير عن ذلك. قال القائد آبو: "إذا لم يقتلني الضغط والهجوم، فإنه يقويني." وحاول إفشال هجوم المؤامرة الدولية الذي استهدف تصفيته، جسدياً وفكرياً، لقد أفشل محاولة القضاء الجسدي عليه، وأوجد فرصة لكشف المؤامرة الدولية وتعريف العالم بها وإدانتها في الضمير والسياسة الإنسانية، كما أفشل محاولة القضاء عليه فكرياً، فالذين أرادوا محاكمته بسبب أفعاله، حاكمهم هو على بربريتهم وضغوطهم وإرهابهم ومئة عام من المجازر بحق الشعب الكردي، وأدانهم، واليوم تُقام محاكم في أماكن مختلفة لمحاكمة وإدانة الذهنية والسياسة التي فُرضت على الشعب الكردي. وهذا أمر مهم جداً، يمكن القول إن القائد آبو حقق الانتصار من خلال موقفه وعمقه وقوته الفكرية وقدرته على حل المشكلات، أدار النضال داخل الفكر والضمير، وفتح المجال لتحقيق الانتصار، وحوّل نفسه إلى قوَّة للمعنى، وحلل الأحداث بصورة أعمق، وكشف السلبيات والأخطاء، وطرح الحقائق الصحيحة، وأعاد إبراز حقيقة الإنسانية وتعريفها، وهكذا أدان القوى التي أضرَّت بهذه الحقيقة فكرياً وسياسياً وأفشلها، والانتصار الحقيقي يكمن هنا.
وبالإضافة إلى نضال القائد آبو، فإنَّ المقاومة المباشرة ضدَّ المؤامرة الدوليَّة كانت واسعة، فمنذ البداية فهم مقاومو "لن تستطيعوا حجب شمسنا" حقيقة القيادة واحتضنوها، وشكلوا حولها حلقة من نار وطوروا مقاومة عظيمة، وقد انعكس ذلك على الحزب والحركة، فأعادت بناء نفسها على أساسه، وطوَّرت نفسها ونظَّمتها في مواجهة هجمات التصفية، وانخرطت في نضال جديد على أساس النموذج الفكري الذي طوَّره القائد آبو، واعتمدت خطاً فدائياً في النضال، ولهذا ينبغي فهم حقيقة حرب الكريلا الفدائية بين عامي 2004 و2024. لم تكن حرب عادية، بل كانت حرب فدائية نظَّمت روحها ووعيها وإرادتها على خط القائد. وينبغي معرفة ذلك جيداً. وقد أثرت هذه المقاومة في المجتمع أيضاً، وساهمت في فهم موقف القيادة ونشر أفكارها.
يمكن القول إن القائد آبو أظهر حقيقة المقاومة ضد المؤامرة، بينما فهم المقاتلون الذين خلقهم، هجوم المؤامرة وأظهروا كيفية النضال ضده. كان هؤلاء والقائد كالجسد الواحد، ومن هذا الاتحاد نشأت التطورات والانتصارات، كانت مؤامرة 9 تشرين الأول هجوماً بهدف القضاء على القائد آبو. وكان المتآمرون يعتقدون أن القضاء عليه سيؤدي إلى تفكك حزب العمال الكردستاني، ومن ثم فتح الطريق أمام الإبادة الجماعية للكرد. وكانوا يريدون أن يتحول ذلك إلى عامل حرب يؤثر في الشرق الأوسط، وعندما لم يتمكَّنوا من تحقيق ذلك، وضعوا القائد آبو تحت نظام التعذيب في إمرالي وفرضوا عليه حكم الإعدام. وفي مرحلة المحاكمة، كان تقدير كثيرين أن حزب العمال الكردستاني لن يبقى سوى ستة أشهر، وبعدها لن يُذكر اسمه حتى، لكن كما أفشل القائد آبو محاولة القضاء عليه، أفشل أيضاً حكم الإعدام بموقفه ومقاومته.
قوة المقاومة الديمقراطية توازي قوة هجمات المتآمرين
فهم الشعب والحركة، إلى جانب نضال الشهداء، حقيقة القائد، وحوّلوا ذلك إلى مقاومة داخل الحزب، وخابت آمال من كانوا ينتظرون القضاء على القائد أو هزيمته فكرياً أو تفكُّك حزب العمال الكردستاني وتصفيته، واتحد الحزب والحركة والقيادة ومقاومو "لن تستطيعوا حجب شمسنا" على خط المقاومة الفدائية، وانتقلوا إلى فهم المؤامرة وتطوير النضال وتغيير أنفسهم في مواجهتها، وقد أدى هذا الخط إلى الانتصار. فعندما أُفشلت خطط القضاء والتصفية، تطور الحزب، وكان أساس هذا التطور تغييراً في الذهنية، وهزيمة الخصم فكرياً وإفشال خططه، ثم ترجمة ذلك الفكر إلى تنظيم ونشاط، وعلى العكس من حسابات المتآمرين، لم يفشل القائد آبو ولا حزب العمال الكردستاني، ولم يهزم الشعب الكردي، وما زال النضال مستمراً. ولذلك توجد في كردستان ذهنية وسياسة ونضال يطرح الحل الديمقراطي للقضية الكردية ودمقرطة الشرق الأوسط، ويحاول نشر ذلك في مناطق أخرى، وما زال هذا النضال مستمرَّاً منذ 28 عاماً. إنَّ قوَّة المقاومة الديمقراطية توازي قوَّة هجمات المتآمرين، بل إنها اليوم أقوى مما كانت عليه في البداية.
نقلًا عن وكالة فرات للأنباء