أكد الكاتب الصحفي المصري بلال الدوي، في تصريحات خاصة لموقع "المبادرة"، أن ذكرى انتصارات حرب أكتوبر المجيدة لا تمثل مجرد مناسبة لاستعادة صفحات مضيئة من التاريخ الوطني، وإنما تظل مناسبة مهمة لاستخلاص الدروس التي يمكن البناء عليها في مواجهة التحديات التي تشهدها المنطقة والعالم.
وأشار بمناسبة الذكرى 53 لانتصارات حرب أكتوبر المجيدة إلى أن ما حققته القوات المسلحة المصرية في أكتوبر 1973 كان نتاجًا لإرادة سياسية وعسكرية متكاملة، وإعداد طويل، وقدرة على التخطيط، والتعامل مع تداعيات هزيمة يونيو 1967 وتحويلها إلى دافع لإعادة بناء القدرات والاستعداد للمعركة.
أهم دروس الحرب
وقال الدوي إن أحد أهم دروس حرب أكتوبر يتمثل في أن الدول والجيوش لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالعلم والتخطيط والتدريب والاستعداد وامتلاك عناصر القوة الشاملة، موضحًا أن القوات المسلحة المصرية خاضت معركة استعادة الأرض بعد سنوات من إعادة بناء القدرات وتطوير الأداء العسكري والاستفادة من الخبرات التي اكتسبتها خلال حرب الاستنزاف.
وأضاف أن عنصر المفاجأة والتخطيط الدقيق وإدارة المعلومات والخداع الاستراتيجي كانت من أبرز عوامل نجاح الخطة المصرية، إلى جانب قدرة القوات المسلحة على تنفيذ عملية العبور وإقامة رؤوس الكباري والتعامل مع التحصينات الإسرائيلية، بما عكس حجم التطور الذي طرأ على أداء الجيش المصري خلال السنوات السابقة للحرب.
وأشار الكاتب الصحفي إلى أن من أهم الدروس التي ينبغي استحضارها اليوم أن التفوق العسكري لا يرتبط فقط بحجم التسليح، وإنما بقدرة الدولة على توظيف ما تمتلكه من إمكانات بكفاءة، وربط التكنولوجيا بالتدريب والعقيدة القتالية، فضلًا عن أهمية امتلاك رؤية استراتيجية واضحة وعدم السماح للخصم بفرض قواعد المواجهة.
وشدد الدوي على أن حرب أكتوبر أثبتت كذلك أهمية الإنسان باعتباره العنصر الحاسم في أي معركة، موضحًا أن ما تحقق لم يكن ليصبح ممكنًا لولا كفاءة الجندي المصري وإيمانه بمهمته وقدرته على تحمل أصعب الظروف، إلى جانب منظومة القيادة والسيطرة والتنسيق بين مختلف أفرع القوات المسلحة.
تحرير سيناء
وأشار الدوي إلى أن تحرير سيناء لم يتوقف عند استعادتها عسكريًا، وإنما تتواصل مسيرة الحفاظ عليها وتعزيز مكانتها من خلال التنمية الشاملة التي تشهدها أرض سيناء، مؤكدًا أن ما يجري من مشروعات في مجالات البنية التحتية والطرق والطاقة والإسكان والخدمات يمثل امتدادًا لمعركة أكتوبر، ولكن بأدوات جديدة، عنوانها «التحرير بالتنمية»، وترسيخ الوجود الوطني من خلال البناء والتعمير وفتح آفاق جديدة أمام أبناء سيناء.
وأوضح أن سيناء ليست مجرد مساحة جغرافية جرى تحريرها في حرب أكتوبر، وإنما جزء أصيل من الأمن القومي المصري، وأن تعميرها وتنميتها ودمجها بصورة أكبر في منظومة الاقتصاد الوطني يمثل أحد أوجه الحفاظ على مكتسبات الانتصار، مشيرًا إلى أن المعارك التي تخوضها الدول لا تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية، وإنما تستمر من خلال حماية الأرض وتنميتها وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات.
حرب أكتوبر وتطورات المنطقة
وأضاف أن الدرس الأهم الذي يمكن استحضاره من حرب أكتوبر في ظل ما تشهده المنطقة خلال السنوات الأخيرة من أزمات وصراعات وتحديات متزايدة، هو أن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من قدرات عسكرية، وإنما كذلك بقدرتها على الصمود والحفاظ على تماسكها الوطني، وحشد مواردها، وتحويل التحديات إلى دوافع للعمل والبناء.
وأكد الدوي أن المصريين أثبتوا في أكتوبر 1973 أن الإرادة الوطنية قادرة على تجاوز أصعب الظروف عندما تقترن بالتخطيط والاستعداد والثقة في القدرة على تحقيق الهدف، وهي الرسالة التي تظل حاضرة اليوم في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تستوجب اليقظة والحفاظ على مؤسسات الدولة وتعزيز عناصر القوة الشاملة.
روح حرب أكتوبر
وشدد على أن استدعاء روح أكتوبر اليوم لا يعني فقط استحضار مشاهد العبور والانتصار، وإنما استحضار قيم العمل والانضباط والتضحية والصبر والإصرار على تحقيق الأهداف، مؤكدًا أن حماية الوطن في زمن الأزمات تبدأ من امتلاك الوعي والقدرة والاستعداد، وتستمر عبر التنمية وبناء الإنسان وتعزيز الاقتصاد والمؤسسات.
وقال الكاتب الدوي إن مصر تستكمل انتصارات أكتوبر بتحرير سيناء بالتنمية، والدفاع عن أمنها القومي، والتصدي لمحاولات تصفية القضية الفلسطينية وتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، مؤكدًا أن الموقف المصري ثابت في دعم حقوق الفلسطينيين، ورفض فرض واقع جديد بالمنطقة، والحفاظ على ثوابت الأمن القومي العربي واستقرار المنطقة.
واختتم بلال الدوي تصريحاته بالتأكيد على أن أكتوبر لم يكن يومًا واحدًا في التاريخ المصري، وإنما تجربة وطنية متكاملة تمتد آثارها إلى الحاضر والمستقبل، فكما عبرت القوات المسلحة قناة السويس لتحرير الأرض، فإن الدولة المصرية تواصل اليوم معركة أخرى لا تقل أهمية، هي معركة البناء والتنمية وتثبيت دعائم الاستقرار، بما يجعل من «التحرير بالتنمية» أحد أهم تعبيرات استمرار روح أكتوبر في مصر الحديثة.
النصب التذكاري
وقد وضع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، صباح اليوم، أكاليل من الزهور على النصب التذكاري لشهداء القوات المسلحة المصرية وقبري الرئيسين الراحلين أنور السادات وجمال عبد الناصر، وذلك بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات حرب أكتوبر عام 1973.
وبدأت مراسم الزيارة عند النصب التذكاري لشهداء القوات المسلحة، حيث كان في استقبال السيسي القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي الفريق أشرف سالم زاهر، ورئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة.
وأدى حرس الشرف التحية للرئيس المصري، فيما عزفت الموسيقى السلام الوطني، قبل أن يضع السيسي إكليلًا من الزهور على قبر الجندي المجهول، وتعزف الموسيقى سلام الشهيد، ثم يحيي عددًا من قادة حرب أكتوبر.
وتوجه السيسي بعد ذلك إلى ضريح الرئيس الراحل أنور السادات، حيث وضع إكليلًا من الزهور وقرأ الفاتحة على روحه، كما التقى أفراد أسرة السادات وعددًا من قادة القوات المسلحة.
وشهدت مراسم الزيارة حضور عدد من كبار المسؤولين المصريين، بينهم رئيس مجلس النواب هشام بدوي، ورئيس مجلس الشيوخ عصام الدين فريد، ورئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، وشيخ الأزهر أحمد الطيب، وبابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية البابا تواضروس الثاني، ووزير الداخلية محمود توفيق، ووزير الدولة للإنتاج الحربي صلاح سليمان، ومحافظ القاهرة إبراهيم صابر، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.
واختتم الرئيس المصري جولته بزيارة ضريح الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حيث وضع إكليلًا من الزهور وقرأ الفاتحة على روحه، بحضور أسرة عبد الناصر وعدد من قيادات القوات المسلحة.
وتحيي مصر في السادس من أكتوبر من كل عام ذكرى حرب عام 1973، التي خاضتها القوات المسلحة المصرية ضد إسرائيل، وتمكنت خلالها من عبور قناة السويس واستعادة مواقع على الضفة الشرقية للقناة، في واحدة من أبرز المحطات العسكرية في تاريخ المنطقة الحديث.