بث تجريبي

من هرمز إلى ملقا.. هل تنقل «الوحدة 4000» حرب الظل الإيرانية إلى الصين؟

لم تعد شبكات إيران الخارجية تتحرك فقط حيث توجد ميليشيات موالية لطهران أو جماعات مسلحة يمكن لفيلق القدس استخدامها، إذ تكشف معلومات جديدة عن محاولة جهاز استخبارات الحرس الثوري بناء نموذج أكثر سرية، يعتمد على تجنيد عناصر محلية لتنفيذ عمليات خارج الحدود، وصولاً إلى واحد من أبعد المسارح عن إيران في شرق آسيا.

وفي قلب هذا النشاط تظهر "الوحدة 4000"، وهي قسم العمليات الخاصة في منظمة استخبارات الحرس الثوري، التي تتهمها أجهزة أمنية أمريكية وإسرائيلية، ومصادر إيرانية معارضة، بإدارة شبكات للاغتيال والتخريب وجمع المعلومات وتهريب الأسلحة خارج إيران.

وأفاد تقرير حديث لـ "إيران إنترناشيونال" نقلاً عن مصدرين قالت إنهما مطلعان على أنشطة الحرس الثوري، بأن الوحدة بدأت التخطيط لتوسيع عملياتها البحرية باتجاه شرق آسيا، وأن أهدافاً محتملة تشمل مضيقي ملقا وبانغكا، وميناء تانجونغ بريوك الإندونيسي، إضافة إلى ميناءي نينغبو-تشوشان وشنغهاي في الصين.

وتكتسب المعلومات أهميتها من أن مضيق ملقا يمثل أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم؛ ما يعني أن انتقال النشاط الإيراني السري إليه، إن تحولت الخطط المزعومة إلى عمليات فعلية، سيضع حرب الظل الإيرانية في قلب الطرق التجارية التي تربط المحيط الهندي بشرق آسيا. 

تختلف الوحدة "4000" عن الصورة التقليدية للنفوذ الإيراني الخارجي. فبينما اشتهر فيلق القدس ببناء علاقات طويلة الأمد مع حزب الله والفصائل العراقية وغيرها، تعمل الوحدة داخل منظمة استخبارات الحرس الثوري، وتبدو مهمتها أقرب إلى بناء خلايا محدودة لتنفيذ مهام محددة خارج إيران.

وكان معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أشار منذ عام 2022 إلى الوحدة بوصفها مسؤولة عن العمليات الخاصة في استخبارات الحرس، بعد انتقال جواد غفاري، المسؤول السابق عن نشاط فيلق القدس في سوريا، للعمل في قيادتها. كما تصف تقارير بحثية أحدث الوحدة بأنها قسم العمليات الخاصة داخل منظمة استخبارات الحرس.

ويقوم النموذج المنسوب إليها على تقليل البصمة الإيرانية المباشرة. ووفق التحقيق الأخير، جرى تجنيد ثلاثة إندونيسيين عبر وسطاء ورجال دين في تايلاند وإندونيسيا، قبل نقلهم إلى إيران للتدريب تمهيداً لاستخدامهم في عمليات مرتبطة بالموانئ والممرات البحرية الآسيوية.

وهذا الأسلوب يمنح طهران، نظرياً، مسافة أكبر عن العملية إذا انكشفت؛ فالمنفذ ليس إيرانياً بالضرورة، ولا يرتدي زي الحرس، وقد لا ينتمي إلى ميليشيا معروفة أصلاً.

من باكو إلى إنجرليك

لم يبدأ ظهور الوحدة في شرق آسيا. ففي أبريل/نيسان الماضي، كشفت أجهزة الأمن الإسرائيلية تفاصيل قالت إنها تخص شبكة مرتبطة بالوحدة "4000" امتدت إلى أذربيجان وتركيا وقبرص واليونان.

وبحسب تلك الرواية، كانت خلية في أذربيجان تجمع المعلومات استعداداً لاستهداف السفارة الإسرائيلية وكنيس في باكو وخط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان، باستخدام عبوات وطائرات مسيرة. كما اتُهمت الوحدة بالعمل على تهريب مسيرات عبر تركيا إلى قبرص وجمع معلومات عن القوات الأمريكية في قاعدة إنجرليك التركية.

وتحدثت التقارير الإسرائيلية كذلك عن تعاون شبكات الوحدة مع فصائل موالية لإيران في العراق لتنفيذ مخططات خارج النموذج العسكري التقليدي للفصائل، بما يكشف عن تداخل محتمل بين عمليات استخبارات الحرس وشبكة الوكلاء التي بنتها طهران خلال العقود الماضية.

أما أكثر تفاصيل الملف غموضاً فتتعلق بقائد الوحدة، العميد رحمان مقدم. فقد أعلنت مصادر إسرائيلية مقتله خلال الضربات التي استهدفت قيادات استخبارات الحرس في مارس/آذار، وكرر هذا التقدير عدد من التقارير اللاحقة. لكن "إيران إنترناشيونال" قالت إن معلومات جديدة حصلت عليها تشير إلى أن مقدم نجا من الضربة، وأنه يشرف شخصياً على التوسع الجديد في العمليات البحرية بشرق آسيا. ولا يوجد حتى الآن تأكيد مستقل يحسم الروايتين المتناقضتين.

وكان مقدم يشغل سابقاً منصباً في جهاز حماية المعلومات بوزارة الدفاع الإيرانية قبل انتقاله إلى قيادة الوحدة "4000"، التي ارتبط اسمها بعمليات تستهدف معارضين إيرانيين ومصالح إسرائيلية وغربية في الخارج.

لماذا الصين؟

لكن اللافت في الكشف الأخير ليس المسافة الجغرافية وحدها، وإنما وجود موانئ صينية ضمن قائمة الأهداف المحتملة. فالصين تمثل شرياناً اقتصادياً رئيسياً لطهران، ولذلك فإن التخطيط لعمليات يمكن أن تربك الملاحة المتجهة إليها يبدو للوهلة الأولى متناقضاً مع المصالح الإيرانية.

إلا أن مراقبين يشيرون إلى أن الهدف قد لا يكون الصين نفسها، بقدر ما يرتبط بمحاولة نقل القدرة الإيرانية على تهديد حركة الطاقة والتجارة إلى ما وراء مضيق هرمز وباب المندب. فالوصول إلى ملقا، أو مجرد إثبات القدرة على بناء خلايا بالقرب منه، يمنح طهران مساحة إضافية للإيحاء بأن تداعيات الحرب عليها يمكن ألا تبقى محصورة داخل إيران أو الشرق الأوسط، وإنما تصل إلى شرايين التجارة العالمية.

وهنا تحديداً تكتسب "الوحدة 4000" أهمية أكبر في الإستراتيجية الإيرانية، في وقت تعرّضت فيه شبكة الوكلاء التي بنتها طهران خلال عقود لضغوط عسكرية وسياسية واسعة؛ ما قلص قدرتها على استخدامها بالطريقة نفسها التي شكلت سابقاً إحدى ركائز الردع الإيراني. 

قد يهمك