لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقتصر على تبادل الضربات العسكرية والرسائل السياسية، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً باتت فيها الممرات البحرية الاستراتيجية في صلب الصراع، بعدما لوّحت واشنطن بردود مباشرة على أي استهداف للملاحة في مضيق هرمز، في وقت امتدت فيه تداعيات الأزمة إلى مضيق باب المندب، بما يعكس اتساع نطاق المواجهة إقليمياً ودولياً.
وتشير التقديرات إلى أن قواعد الاشتباك شهدت تحولاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، إذ باتت المنشآت الحيوية والبنى التحتية ضمن أهداف الردع المتبادل، في ظل تصاعد الضربات الأميركية التي انتقلت من استهداف المواقع الساحلية إلى توسيع نطاق عملياتها داخل العمق الإيراني، مع استمرار اعتماد سياسة التدرج في استخدام القوة سعياً إلى تحقيق أهداف سياسية واستراتيجية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
تفوق عسكري أمريكي؟
وفي المقابل، يرى مراقبون أن امتلاك الولايات المتحدة تفوقاً عسكرياً لا يعني بالضرورة قدرتها على حسم الصراع بصورة نهائية، مستشهدين بتجارب حروب سابقة أظهرت أن التفوق العسكري لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية، وأن استمرار المواجهة يحمل في طياته حسابات أكثر تعقيداً من مجرد ميزان القوة العسكرية.
وتكشف التطورات الميدانية عن تراجع نسبي في القدرات العسكرية الإيرانية مقارنة بمراحل سابقة من الحرب، بعد تعرض عدد من المنشآت ومراكز القيادة والسيطرة ومنصات إطلاق الصواريخ للاستهداف، الأمر الذي دفع طهران إلى الاعتماد بصورة أكبر على أساليب أكثر مرونة في إدارة عملياتها العسكرية، من خلال استخدام مجموعات صغيرة ومتنقلة، في مواجهة قدرات أميركية متقدمة في مجالات الرصد والمراقبة الجوية والفضائية.
وبات مضيقا هرمز وباب المندب يمثلان أحد أهم محاور المواجهة الراهنة، لما لهما من أهمية استراتيجية ترتبط بحركة التجارة العالمية وأمن الطاقة. ويرى متابعون أن استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط أعاد تشكيل طبيعة الأزمة، إذ ترتبت عليه تداعيات طالت حركة الملاحة الإقليمية والدولية، في وقت نجحت فيه بعض دول المنطقة في تعزيز مسارات بديلة للتصدير وتشغيل موانئها.
المصالح الاقتصادية الأميركية
كما تشير قراءات سياسية إلى أن المصالح الاقتصادية الأميركية لا تعتمد بصورة مباشرة على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، فيما تعد كل من الصين وروسيا من أكثر الأطراف تأثراً بتداعيات أي اضطراب في حركة التجارة والطاقة عبر المضيق، إلى جانب إيران التي تتحمل بدورها كلفة اقتصادية وسياسية متزايدة نتيجة استمرار الأزمة.
وفي السياق ذاته، يرتبط الموقف الإيراني من ملف الملاحة في مضيق هرمز بمجموعة من الشروط السياسية والاقتصادية، في مقدمتها رفع العقوبات والحصار الاقتصادي، واستئناف صادرات النفط والبتروكيماويات، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وهي ملفات تجعل من أي تسوية محتملة مرتبطة بحزمة تفاهمات أوسع بين الأطراف المعنية.
أما اتساع دائرة التوتر لتشمل باب المندب، فيعكس انتقال الحرب من إطارها الثنائي إلى مستويات إقليمية ودولية أكثر تشابكاً، بعدما باتت ترتبط بحسابات القوى الكبرى ومصالحها الاستراتيجية، وعلى رأسها روسيا والصين، الأمر الذي يجعل مستقبل التصعيد مرهوناً بتوازنات تتجاوز حدود المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران.
تقديرات سياسية
وتشير تقديرات سياسية إلى أن الولايات المتحدة، رغم تصعيدها العسكري، لا تستهدف القضاء الكامل على إيران أو إسقاطها، بل تسعى إلى إعادة تشكيل سلوكها الإقليمي ودفعها نحو طاولة المفاوضات من خلال سياسة الضغط المتدرج، مع استبعاد خيار الغزو البري في ظل كلفته العسكرية والسياسية الباهظة.
وفي المقابل، يرى محللون أن الحرب أحدثت تحولات عميقة في المشهد الإقليمي، سواء على مستوى موازين النفوذ أو طبيعة التحالفات القائمة، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تشهد إعادة رسم للخريطة السياسية والاقتصادية في المنطقة، وسط تزايد تأثير القوى الدولية في مساراتها.
ومع استمرار التصعيد العسكري وتداخل الحسابات الإقليمية والدولية، تبدو المواجهة بين واشنطن وطهران مرشحة للبقاء ضمن معادلة تجمع بين الضغط العسكري والمسار التفاوضي، فيما يبقى مستقبل مضيقي هرمز وباب المندب أحد أبرز العوامل المؤثرة في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
من زوايا العالم
من زوايا العالم