جمعت الإدارة الأمريكية أكثر من 13 مليار دولار من عائدات مبيعات النفط الفنزويلي منذ بداية العام، دون أن تقدم توضيحات كافية بشأن مصير هذه الأموال، في وقت تواجه فيه فنزويلا أزمة اقتصادية متفاقمة وتداعيات زلزالين مدمرين ضربا البلاد في يونيو الماضي، وفق تقديرات صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية.
وتسيطر الولايات المتحدة على صادرات النفط الفنزويلية بعد إلقاء القبض على الرئيس نيكولاس مادورو، في يناير الماضي، وتعليق بعض العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة، فيما تولت نائبة الرئيس ديلسي رودريجيز قيادة البلاد، ومنذ ذلك الحين بدأت عائدات النفط تتدفق عبر ترتيبات تخضع لإشراف واشنطن، بحسب "فاينانشيال تايمز" البريطانية.
قدّرت الصحيفة قيمة النفط الفنزويلي المُباع منذ يناير بأكثر من 13 مليار دولار، بالاعتماد على بيانات شحنات الخام التي جمعتها منصة "كيبلر" المتخصصة في بيانات النقل والطاقة، إلى جانب تقديرات أسعار خامات فنزويلية من وكالة "أرجوس ميديا"، بينما بلغت قيمة الشحنات التي توافرت لها أسعار مباشرة نحو 11.5 مليار دولار، قبل إضافة قيمة شحنات أخرى لم تتوافر بشأنها بيانات أسعار دقيقة.
وأنشأت الحكومة الفنزويلية موقعًا إلكترونيًا لمتابعة الإيرادات الناتجة عن مبيعات النفط التي تديرها الولايات المتحدة، لكنه لم يتضمن سوى عملية تحويل واحدة بقيمة 300 مليون دولار في مارس، وهو ما أثار تساؤلات بشأن حجم الأموال التي وصلت فعليًا إلى الاقتصاد الفنزويلي، والجهة التي تحتفظ بباقي العائدات، وكيفية إنفاقها.
وأشارت الصحيفة إلى أن الغموض تزايد بسبب تضارب التصريحات الأمريكية بشأن طبيعة السيطرة على الأموال، إذ نص أمر تنفيذي، صدر في يناير، على أن العائدات ملك للحكومة الفنزويلية، وأنها ستحتفظ بها حسابات حكومية أمريكية بصفة "وصاية حكومية"، بينما قالت وزارة الطاقة الأمريكية إن الأموال ستوزَّع بما يخدم مصالح الشعبين الأمريكي والفنزويلي.
أثار الغموض بشأن مصير الأموال انتقادات متزايدة داخل الكونجرس الأمريكي، حيث طالب نواب من الحزبين الإدارة بتقديم معلومات تفصيلية حول العائدات وآليات توزيعها، وسط مخاوف من احتمال تعرض الأموال للفساد أو سوء الإدارة، كما دعت النائبة الجمهورية ماريا إلفيرا سالازار إلى نشر تقارير عن الأموال، مؤكدة أهمية الشفافية بشأن الجهة التي تذهب إليها.
وقال النائب الديمقراطي خواكين كاسترو، إن سيطرة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مليارات الدولارات من عائدات النفط الفنزويلي تمّت دون قدر كافٍ من الشفافية أو الضمانات، معتبرًا أن الكونجرس لا يحصل على المعلومات اللازمة بشأن إدارة هذه الأموال، فيما حذر مسؤولون سابقون من أن القضية قد تتحول إلى هدف رئيسي للتحقيقات إذا استعاد الديمقراطيون السيطرة على أحد مجلسي الكونجرس أو كليهما بعد انتخابات نوفمبر.
وأكد مسؤولون أمريكيون أن السيطرة على عائدات النفط تمثل أداة ضغط على رودريجيز، التي تنتمي إلى نظام تشافيز وتحكم البلاد في ظل نفوذ أمريكي متزايد، بينما قال مسؤول في وزارة الخارجية إن الأموال تخص الحكومة الفنزويلية، لكنها تحتاج إلى موافقة واشنطن قبل استخدامها، موضحًا أنها أتاحت تمويل نفقات، مثل رواتب موظفي الحكومة وشراء معدات لقطاع النفط.
واجهت فنزويلا ضغوطًا اقتصادية كبيرة حتى قبل الزلازل التي ضربت البلاد في 24 يونيو، إذ كانت عائدات النفط تشكّل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي، بينما كانت العقوبات الأمريكية تجبر البلاد على بيع خامها بخصومات كبيرة في الأسواق العالمية، لكن تخفيف العقوبات والسيطرة الأمريكية على صادرات النفط كانا يفترض أن يدعما انتعاش الاقتصاد، وهو ما لم يظهر حتى الآن بالمستوى المتوقع.
وأظهرت البيانات الرسمية أن الاقتصاد الفنزويلي نما بنسبة 2.5% في الربع الأول من العام، وهي أبطأ وتيرة نمو خلال نحو خمس سنوات، ما دفع اقتصاديين إلى التشكيك في حجم الأموال التي أُعيد ضخها داخل البلاد، وقال الاقتصادي فرانسيسكو رودريجيز إن فنزويلا ربما لم تحقق نموًا أسرع بسبب عدم تحويل الولايات المتحدة كامل الزيادة في عائدات النفط إلى الحكومة الفنزويلية.
وأضاف الاقتصادي خوسيه جيرا، أن الإيرادات النفطية كان يفترض أن تكون أعلى بكثير مقارنة بالسنوات الماضية، متسائلًا عن مصير الأموال في ظل غياب الشفافية، بينما أشار أليخاندرو جريسنتي، مدير شركة "إيكواناليتيكا" للاستشارات، إلى وجود مؤشرات على تدفقات كبيرة من الدولارات إلى الاقتصاد خلال الشهرين الماضيين، رغم توقعاته بأن تؤدي تداعيات الزلازل إلى تأجيل التعافي الاقتصادي.
زادت الكارثة الطبيعية من أهمية الجدل حول عائدات النفط، بعدما قدرت الأمم المتحدة تكلفة الأضرار التي لحقت بالمباني والبنية التحتية وحدها بنحو 37 مليار دولار، فيما بدأت رودريجيز في الضغط من أجل الوصول إلى أموال فنزويلية موجودة خارج البلاد، بما في ذلك أموال لدى صندوق النقد الدولي واحتياطيات من الذهب محتجزة لدى بنك إنجلترا بسبب نزاع قضائي.
وأعلنت الولايات المتحدة توفير 386 مليون دولار للمساعدة في جهود الإغاثة من آثار الزلازل، إلى جانب إرسال مئات الجنود إلى فنزويلا للمشاركة في عمليات الاستجابة للكارثة، بينما قال القائم بالأعمال الأمريكي في كاراكاس جون باريت إن جزءًا من أموال عائدات النفط أصبح متاحًا أيضًا لتمويل جهود إعادة الإعمار، من دون تحديد قيمة المبلغ.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في يونيو، إن الولايات المتحدة استعادت تكلفة العملية العسكرية في فنزويلا 28 مرة من خلال عائدات النفط، مضيفًا أن بلاده "تجني الكثير من الأموال أيضًا"، وهي تصريحات زادت من التساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن تتعامل مع العائدات باعتبارها أموالًا فنزويلية تحت الوصاية، أم أنها تستخدم جزءًا منها لتعويض تكاليف عملياتها أو تحقيق عائدات لصالح الولايات المتحدة.
وبينما تقول الإدارة الأمريكية إن مليارات الدولارات جرى ضخها في الاقتصاد الفنزويلي وإن الرقابة المالية مستمرة لضمان استفادة الشعب، يظل غياب البيانات التفصيلية بشأن حجم الأموال المحولة وأوجه إنفاقها نقطة خلاف رئيسية، خصوصًا مع حاجة فنزويلا إلى تمويل ضخم لإعادة بناء المناطق التي دمرتها الزلازل، فيما تواصل الحكومة الأمريكية السيطرة على جزء كبير من التدفقات المالية الناتجة عن صادرات النفط.
من زوايا العالم
من زوايا العالم
من زوايا العالم