بث تجريبي

مصطفى قره سو: السلام لم يحقق التقدم المنشود بسبب نهج النظام التركي والكرد لا يمكن تجاوزهم

أكد عضو المجلس التنفيذي في منظومة المجتمع الكردستاني، مصطفى قره سو، أن حل القضية الكردية لن يتحقق عبر التحالفات العسكرية أو التفاهمات الدولية، بل من خلال الحوار السياسي والاعتراف بحقوق الشعب الكردي، مشددًا على أن الأكراد باتوا طرفًا رئيسيًا لا يمكن تجاوزه في معادلات الشرق الأوسط. وفي مقابلة خاصة مع قناة "ميديا خبر"، تناول قره سو تطورات الأوضاع في كردستان وتركيا والمنطقة، كما تطرق إلى مسار حزب العمال الكردستاني (PKK)، مستعيدًا ذكرى القيادي المؤسس علي حيدر كايتان، ومستعرضًا دوره الفكري والتنظيمي داخل الحركة، إلى جانب رؤيته لمستقبل القضية الكردية وتحديات المرحلة الراهنة، وإلى نص الحوار:-

منذ نحو شهرين لم تُعْقَدْ أيّ لقاءات مع الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، وفي الوقت نفسه تصدر تصريحات حول الإطار القانوني، وقد أصدرت قيادة الحركة بياناً مهماً بشأن ذلك. كيف تقيّمون هذا الوضع؟

تتعلق هذه القضيَّة بمستقبل الشَّعب وحرّيَّته، وليس بالحركة وحدها. وتُدار حالياً عمليَّة السَّلام والمجتمع الدّيمقراطيّ بمبادرة من عبد الله أوجلان، الّذي عرض منظوره في ندائه الصَّادر بتاريخ 27 شباط 2025.

ورغم الخطوات الّتي اتُخِذَت، لم يتحقق التَّقدُّم المنشود بسبب نهج الدَّولة التُّركيَّة. فمع أنَّ العزلة عن القائد خُفّفَتْ جزئيَّاً، وعُقِدَت بعض اللّقاءات وتبادلت الرَّسائل، إلّا أنَّ العمليَّة لم تتقدّم بالشَّكل المطلوب.

ويجري الحديث عن مشروع قانون وإطار قانوني سيُعرض على البرلمان، لكنَّ الملف ما يزال يكتنفه الغموض. وكان الزعيم الكردي قد قدَّم في 24 أيار مسودة مقترح إلى الدَّولة التُّركيُّة، إلّا أنَّنا لم نطّلع إلّا على ملخصها، ومنذ ذلك التَّاريخ لم يُعقد أيّ لقاء معه، وهو ما يعكس غياب الجديَّة في إدارة العمليَّة.

حتَّى حزب المساواة وديمقراطيَّة الشَّعوب أعلن أنَّهُ لا يملك معلومات، في حين تتداول وسائل الإعلام التُّركيَّة روايات مختلفة. وقد صرّح نعمان كورتولموش بأنَّ القانون سيصدر، رغم أنَّ معالجة القضيَّة بهذه الطَّريقة لا تعكس حجمها الحقيقي، إذ لا يمكن حصرها في مسألة إلقاء السّلاح فقط.

إنَّ هذه القضيَّة تتطلب معالجة شاملة تقوم على دعم المجتمع والتَّوافق بين القوى والأحزاب السّياسيَّة، ولا يمكن إدارتها بمنطق فرض القرار وقبوله أو رفضه. ولو كانت بهذه البساطة، لما استمرَّتِ العمليَّة عاماً ونصف، ولما جرت اللّقاءات مع القائد أو نقلت رسائله عبر وسطاء.

كما يُقال إنَّ التَّطورات ستأتي بعد قمة حلف النَّاتو، ما يوحي بأنَّ القرار النّهائي مرتبط بنتائجها. ويرى المقربون منهم أنَّ القانون قد يصدر بعد القمة، من دون تأكيد ذلك، وهو ما يعكس استمرار حالة الانتظار وربط مسار العمليَّة بما ستسفر عنه تلك القمة.

قبل عام، وفي 11 تموز، أحرقت 30 من قوات الكريلا بقيادة الرَّئيسة المشتركة للمجلس التَّنفيذي في منظومة المجتمع الكردستاني، بسي هوزات، أسلحتها لتسريع عمليَّة إصدار القانون. وبعد ذلك صرَّح دولت بهجلي قائلاً: "ليتهم يعودون جميعاً إلى تركيا فوراً"، لكن رغم مرور عام، لم يصدر أي قانون.. ماذا يعني ذلك؟

صحيح، فقد قال دولت بهجلي: "ليتهم يعودون"، وكان ذلك يعني أنَّهُ في حال صدور قانون مناسب وعودتهم، فسيكون الأمر إيجابيَّاً.

ومن جانبها، أظهرت حركة التَّحرُّر إرادة واضحة؛ إذ أقدمت مجموعة من 30 مقاتلاً ومقاتلة، بقيادة بسي هوزات، على إحراق أسلحتها تعبيراً عن التزام الحركة بقرارها، وقد تركت هذه الخطوة أثراً كبيراً، وأظهرت للرَّأي العام أنَّ الحركة تمتلك إرادة حقيقيَّة للتَّخلي عن السَّلاح.

بعد مراسم إحراق الأسلحة في 11 تموز، كنا نتوقع أنْ تتسارع التَّطوّرات، وأنْ تتَّخذ الدَّولة التُّركيَّة خطوات عمليَّة، ليس فقط بشأن السّلاح، بل أيضاً لحلّ المشكلات في تركيا وتهيئة ظروف العودة إلى البلاد وإلى شمال كردستان. كما أكّدت بسي هوزات أنَّ العودة ستكون ممكنة إذا جرى إحراز تقدُّم في حلّ القضيَّة.

لكن بعد مرور عام، بدا وكأن شيئاً لم يحدث. فقد سُحِبَتْ أيضاً مقاتلو الكريلا من شمال كردستان وتركيا، وانسحبت قواتنا من بعض مناطق القتال لتجنب اندلاع مواجهات محتملة، وكلّ ذلك جرى بصورةٍ علنيَّةٍ ومن منطلق تحمل المسؤوليَّة. ومع ذلك، لم تقدّم الدَّولة التُّركيَّة رداً مناسباً على هذه الخطوات، ممّا أثار شكوكاً، خاصة في أوساط المجتمع الكردي، حول مدى استعدادها لاتخاذ خطوات مقابلة.

نحن نريد حلَّ هذه القضيَّة بصدق، ولسنا بصدد اتباع تكتيكات مؤقتة. لقد أجرينا تغييراً استراتيجيَّاً، وانتقلنا من خيار الكفاح المسلح إلى العمل السّياسي الدّيمقراطيّ. كما حلّلنا الحزب، وأحرقنا الأسلحة، وأعلنا موقفنا بوضوح، لكنَّنا لم نتلقَّ الرَّدَّ المطلوب.

ويرى الرَّأي العام أيضاً أنَّ السُّلطات لم تستجب لخطواتنا، رغم أنَّها كانت واضحة وعلنية. فعندما أطلق عبد الله أوجلان نداءه في 27 شباط، شدد على ضرورة إيجاد حلّ في إطار قانوني وسياسي، إلّا أنَّ ذلك لم يتحقَّق. لذلك بقيت خطوة 11 تموز وغيرها من المبادرات خطوات أحادية الجانب، من دون أي رد مقابل.

تُعقد قمة حلف النَّاتو في تركيا وسط نقاشات بأنَّ أنقرة قد تستغلها للحفاظ على الوضع القائم في المنطقة والحصول على تنازلات ضدَّ الكرد. هل يمكن أن يصبح الشَّعب الكردي ضحيَّة لتفاهمات دوليَّة؟

النَّاتو هو تحالف عسكري، وليس منظمة للسَّلام. وقد تأسس خلال الحرب الباردة لمواجهة الاتّحاد السُّوفيتي، وما تزال سياساته تقوم على منطق الصّراع والحرب، وليس على حل القضايا السّياسيَّة. لذلك لا يمكن توقع أنْ يقدّم حلولاً سياسيَّة أو يصنع السَّلام.

وانضمت تركيا إلى النَّاتو بعد مشاركتها في الحرب الكوريَّة، ومنذ ذلك الوقت لعبت دوراً مهمَّاً داخل الحلف. واليوم، مع انعقاد قمة النَّاتو في تركيا، تسعى أنقرة إلى تعزيز مكانتها داخل الحلف واستعادة نفوذها في الشَّرق الأوسط، بعدما تراجع دورها مقارنة بالماضي.

وفي المقابل، تريد الولايات المتَّحدة والدَّول الأوروبّيَّة إبقاء تركيا ضمن سياساتها، وقد تحصل أنقرة على بعض المكاسب العسكريَّة، لكنَّها ستصبح أكثر ارتباطاً بسياسات واشنطن وأوروبّا، وخاصة في إطار التَّرتيبات المتعلقة بالشَّرق الأوسط والسّياسات الإسرائيليَّة.

وتعتقد تركيا أنَّها تستطيع، عبر هذه العلاقة مع النَّاتو، مواصلة سياساتها تجاه الكرد والاعتماد على الدَّعم الخارجي لحل قضاياها الدَّاخليَّة، بدل معالجتها بنفسها. لكن هذا النَّهج يحمل مخاطر، لأنَّهُ لا يشكل أساساً مستقراً، بينما يكمن الحلّ الحقيقي في معالجة القضيَّة الكرديَّة داخليَّاً.

وقد شهدت سوريا مثالاً واضحاً على ذلك؛ فالكرد كانوا القوة الرَّئيسيَّة في قتال تنظيم داعش وقدَّمُوا أكثر من عشرة آلاف شهيد، ومع ذلك دعمت الولايات المتّحدة هيئة تحرير الشَّام، رغم أنَّها كانت تصنفها سابقًا منظمة إرهابّيَّة.

لكن الكرد اليوم ليسوا كما كانوا في السَّابق، فهم يمتلكون قوة وتنظيماً أكبر، ولم يعد من السَّهل التَّضحية بهم أو تجاوزهم في أي ترتيبات دوليَّة. كما أنَّهم قادرون على إفشال أيّ سياسات تستهدفهم، ولذلك فإنَّ رهان تركيا على استمرار فرض سيطرتها على الكرد بدعم خارجي سيكون رهاناً خاطئاً، وينبغي للدَّولة التُّركيَّة أنْ تدرك ذلك.

بعد الحرب بين إيران والولايات المتّحدة وإسرائيل، دخلت الأطراف في مسار تفاوض، لكن لا يمكن القول إنَّ الحرب انتهت بالكامل. وفي الوقت نفسه، صعّدت إيران عملياتها العسكريَّة ضدَّ القوى الكرديَّة في شرق كردستان، ما أدَّى إلى سقوط عدد من الشُّهداء. فما الّذي تسعى إليه إيران من خلال استهداف الكرد، رغم ما تعرضت له من خسائر؟

كما ذكرتم، فقد أصبحت إيران أضعف عسكريَّاً وسياسيَّاً واقتصاديَّاً واجتماعيَّاً، وفي مثل هذا الوضع، لا يمكنها الاستمرار إلّا إذا أرست السَّلام مع شعبها، أما استمرارها في الصّراع الدذَاخلي بعد ما تعرضت له من ضربات، ومن دون معالجة مشكلات المجتمع، فليس سياسة حكيمة.

لقد امتلكت إيران عبر تاريخها تجربة في إدارة مجتمع متعدد القوميات، حيث عاش الكرد والأذريون والبلوش وغيرهم معاً. ويُستشهد في هذا السّياق بما أورده نظام الملك في كتابه، حين نصح السُّلطان ملك شاه بأنْ يبني مؤسّسات الدَّولة والجيش من مختلف الشَّعوب، وألّا يعتمد على قوميَّة واحدة، وهو ما شكّل أحد أسباب قوة إيران تاريخيَّاً.

لكن إيران اليوم، بدل الاعتراف بالتَّعدد القومي والثَّقافي وقبول الإدارة الذَّاتيَّة للشَّعوب، تتبنى نهجاً متشدّداً يقوم على مفهوم الدَّولة القوميَّة الحديثة، وهو ما أدّى إلى استمرار الصّدام مع الكرد.

وخلال هذه المرحلة، استشهد أربعة من مقاتلي حزب الحياة الحرُّة الكردستاني (PJAK)، إضافة إلى خمسة أو ستة من مقاتلي تنظيمات كرديَّة أخرى. ونستذكرهم جميعاً بكلّ احترام وتقدير.

إنَّ هذه السّياسة الإيرانيَّة خاطئة. فعلى مدى سنوات، ساهمنا في تثبيت وقف لإطلاق النَّار، أملاً في أنْ تُحلَّ القضايا العالقة مع الكرد عبر الحوار والتَّفاهم. واليوم ينبغي لإيران أنْ تعالج مشكلاتها مع الكرد والأذريين والعرب وسائر المكونات، وكذلك مع النّساء، بالحوار لا بالمواجهة.

ولا تزال إيران تنتهج سياسة متشدّدة تجاه النّساء، رغم بعض التَّخفيف الّذي أعقب انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرّيَّة"، ورغم أنَّ ذلك يُعد خطوة إيجابيَّة، فإنَّهُ غير كافٍ.

لذلك ينبغي لإيران أنْ توقف هجماتها ضدَّ الشَّعب، وأنْ تتعامل مع الكرد باحترام. فقد اتّخذ الكرد موقفاً مسؤولاً خلال الحرب، حتّى إنَّ إدارة الرَّئيس الأمريكي دونالد ترامب وجّهت إليهم انتقادات بسبب ذلك.

أما استغلال انتهاء الحرب لتوجيه الضَّربات إلى الكرد، فليس نهجاً صحيحاً. وإذا استمرَّت هذه السّياسة، فسيتجه الكرد إلى تعزيز دفاعهم الذّاتي، ولن يكون بإمكان إيران التَّعامل معهم كما في السَّابق.

إنَّ الشَّعب الكردي، وسائر الشَّعوب، والنّساء أيضاً، لن يقبلوا بهذه السّياسات. والحلّ لا يكون بفرض الأمر الواقع، بل بالاستجابة لمطالب الشَّعوب والنّساء، ومعالجة القضايا عبر الحوار والتَّفاهم.

قد يهمك