عقد مركز آتون للدراسات حلقة نقاشية بعنوان “تأثير سقوط الإخوان في مصر وصولًا إلى استيلاء الجماعات الجهادية على السلطة في سوريا”، وذلك بمناسبة الذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو، مستضيفًا الخبير في شؤون الحركات الإسلامية الدكتور ماهر فرغلي، حيث ناقشت الحلقة تحولات جماعة الإخوان، وتطور الجماعات الجهادية، وتأثير المشهد السوري على المنطقة.
فيما قدم الحلقة النقاشية وأدارها الكاتب الصحفي فتحي محمود، مدير مركز آتون للدراسات، والذي أكد أن موضوع النقاش يكتسب أهمية خاصة في ظل استمرار تداعيات سقوط جماعة الإخوان الإرهابية في مصر، بالتزامن مع صعود الجماعات الجهادية إلى السلطة في سوريا، مشيرًا إلى أن الجماعة، رغم فقدانها السلطة في مصر، لا تزال تحتفظ بحضور ونشاط خارج البلاد، سواء عبر التجمعات التنظيمية أو من خلال منصات التواصل الاجتماعي، فضلًا عن مشاركتها في فعاليات خارجية يحضرها مسؤولون وشخصيات من دول مختلفة.
تنظيمان للإخوان
من جانبه، استعرض الخبير في شؤون الحركات الإسلامية الدكتور ماهر فرغلي، في بداية النقاش، بعض الحقائق حول البنية التنظيمية لجماعة الإخوان الإرهابية. أول تلك الحقائق أن الجماعة تقوم على تنظيمين متوازيين؛ أحدهما علني، والآخر سري، معتبرًا أن التنظيم السري هو المحرك الأساسي للتنظيم العلني.
وقال إن مهمة الجناح العلني تتمثل في التوسع داخل المجتمع عبر البرلمان والانتخابات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، فيما يعمل التنظيم الموازي وفق خطة استراتيجية طويلة الأمد تمتد لعقود، تقوم على مشروع “التمكين”، الذي يستمر تنفيذه حتى في حال تعرضه لانتكاسات. وأضاف أن فهم جماعة الإخوان يتطلب إدراك طبيعة هذا التنظيم الموازي، مشيرًا إلى أن المرشد الحقيقي قد يكون، في بعض الأحيان، بعيدًا عن الواجهة، ويقود الجماعة من الخلف.
وثانيًا، تناول فرغلي الفارق بين التنظيم المصري للإخوان والتنظيم الدولي، موضحًا أن التنظيم العالمي يقسم العالم إلى 9 قطاعات مستقلة، إلا أن مصر هي الدولة الوحيدة التي يصنفها قطاعًا منفصلًا، بينما تضم القطاعات الأخرى مناطق أوسع، مثل أوروبا الشرقية، وأمريكا الشمالية واللاتينية، وأفريقيا، وآسيا الوسطى، وغيرها، مؤكدًا أن لكل قطاع مؤسساته الاقتصادية والإعلامية والتنظيمية الخاصة، وأن التنظيم الدولي يمتلك فروعًا في مختلف أنحاء العالم.
وأشار إلى أن الفرع المصري قد يستفيد من موارد التنظيم الدولي في بعض الجوانب التمويلية، إلا أن المؤسسات الإعلامية التابعة للتنظيم الدولي لا تركز على الشأن المصري فقط، وإنما تتحرك وفق أجندة التنظيم العالمي وفروعه المختلفة. وثالثًا، وفي سياق تطور بنية الجماعة، أوضح فرغلي أن الإخوان انتقلوا إلى نموذج يجمع بين التنظيم التقليدي والتنظيم غير المرئي، مبينًا أن التنظيم الهرمي المعروف لا يزال قائمًا بقياداته وقواعده، إلا أن هناك، في المقابل، شبكة غير مهيكلة تعتمد على دوائر تمويل واسعة منتشرة حول العالم.
وقال إن مصادر التمويل تمتد إلى مجالات متعددة، بينها شبكات تعمل في دول مختلفة، وتقوم بجمع الأموال وتحويلها إلى التنظيم الدولي، لافتًا إلى أن الجماعة تمتلك كذلك محورًا سياسيًا يضم مؤسسات ومنظمات حقوقية وجمعيات سياسية وثقافية، إلى جانب محور دعوي يضم مؤسسات لا تحمل اسم الإخوان بصورة مباشرة، مثل اتحاد علماء المسلمين، ومجلس الإفتاء الأوروبي، واتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، ومجلس مسلمي أوروبا، إضافة إلى شبكة من المؤسسات الدعوية والمساجد.
وأضاف أن الجماعة تضم أيضًا أجنحة عسكرية، مثل حركة “حسم” وغيرها، معتبرًا أن اختزال الإخوان في بعض الشخصيات أو الأجنحة الظاهرة لا يعكس حقيقة التنظيم، الذي وصفه بأنه شبكة واسعة ومتعددة المستويات.
تعدد واجهات الجماعة
وأشار إلى أن الجماعة تعتمد على تعدد الواجهات والتنظيمات، موضحًا أن بعض مكوناتها تعمل من داخل التنظيم، فيما تتحرك أخرى خارجه من خلال أحزاب وجمعيات وأطر مختلفة، لافتًا إلى أن هذا النموذج ظهر في أكثر من دولة، ومنها تونس، بينما تأخر ظهوره في مصر لسنوات بسبب استقرار أوضاع الجماعة آنذاك.
وأضاف أن الجماعة تشهد حاليًا انقسامات إلى مجموعات متعددة، من بينها مجموعة لندن، ومجموعة إسطنبول، ومجموعات أخرى، معتبرًا أن أي مصالحة مستقبلية قد تفضي إلى ظهور مزيد من الواجهات التنظيمية، في حين يبقى التنظيم الخاص، بحسب وصفه، متماسكًا ويواصل تنفيذ مشروعه الاستراتيجي.
الحالة السورية
وفي محور آخر، تناول فرغلي الحالة السورية التي شهدت صعود الجماعات الجهادية إلى السلطة بقيادة أحمد الشرع (الجولاني سابقًا)، وما لذلك من تأثير على نشاط تنظيمات الإسلام السياسي والجماعات الإرهابية. وفي معرض تفسيره لحدوث ذلك، لفت إلى وجود اتجاهات غربية ترى إمكانية دمج بعض تيارات الإسلام السياسي في الحياة السياسية والاستفادة منها لتحقيق مصالح معينة، بينما تعتبرها اتجاهات أخرى مصدر تهديد.
وهنا أوضح فرغلي أن هناك نوعين من الجماعات الجهادية؛ الأولى سياسية مستأنسة، غير معنية بالجهاد أو تطبيق ما تريده خارج حدود الدولة التي تقوم فيها، وأخرى جهادية تتبنى مبادئ مثل عالمية الجهاد وغيرها، مشيرًا إلى أن هناك توجهًا لدى بعض الدول الغربية إلى إمكانية الاستفادة من الأولى وتوظيفها.
ونوه إلى أن بعض النقاشات التي شهدتها مؤتمرات إسرائيلية تناولت هذا الجدل بين من يرى أن بعض الجماعات الجهادية يمكن توظيفها والاستفادة منها، حيث تسهم في إضعاف الدول العربية وإشغالها بصراعات داخلية، بينما لا يقتنع آخرون بذلك.
وحول مسألة استئناس الغرب لبعض الجماعات الإسلامية، قال فرغلي إن جماعة الإخوان سعت إلى تقديم نفسها للغرب باعتبارها البديل عن الجماعات الإرهابية والطرف القادر على مواجهة التنظيمات المتطرفة، مشيرًا إلى وجود تواصل سابق بين أجهزة استخبارات غربية والجماعة في مصر بشأن ملفات مثل اتفاقية كامب ديفيد والتعامل مع الأقباط، الأمر الذي ساهم، بحسب رأيه، في تكوين قناعة لدى بعض الدوائر الغربية بإمكانية الاعتماد عليها كبديل سياسي.
ودلل الخبير في شؤون الحركات الإسلامية على فكرته بشأن الجماعات الجهادية بنموذج حركة طالبان في أفغانستان، حيث تمثل سلفية جهادية محلية لا تتبنى “عولمة الجهاد”، وبالتالي يُترك لها أن تفعل ما تشاء، طالما أن الأمر داخل حدود تلك الدولة، وطالما أنه يحقق مصالح الدول الغربية، معتبرًا أن هذا الأمر ينطبق كذلك على السلطة الحالية في سوريا.
أحمد الشرع
وقال فرغلي إن الساحة السورية شهدت صراعًا بين تيارات تؤمن بعولمة الجهاد وأخرى تركز على البعد المحلي، وهنا فإن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع تمكن من تقديم نفسه باعتباره قائدًا لجهادية محلية لا تهدد المصالح الغربية، وهو ما ساعده على الوصول إلى دمشق، في ظل اقتناع بعض الأطراف الغربية بأنه قادر على احتواء التنظيمات الأكثر تشددًا، وتحقيق أهداف مثل إعادة اللاجئين السوريين، واحتواء الجماعات المسلحة، ودمج بعض عناصرها تدريجيًا في الجيش السوري، مع التخلص من العناصر الأكثر تشددًا دون الدخول في مواجهة واسعة قد تؤدي إلى حرب أهلية.
وأشار إلى أن هذه الجماعات الموجودة في سوريا قد تُستخدم كذلك كورقة ضغط في علاقات حكومة دمشق مع دول المنطقة، كما يمكن توظيفها في مواجهة تنظيمات شيعية مثل الحشد الشعبي العراقي وحزب الله اللبناني. ولفت كذلك إلى أن جماعة الإخوان تعمل في سوريا على المستويات الشعبية والنقابية والميدانية بهدف تعزيز نفوذها مستقبلًا، معتبرًا أن قرارات الحظر التي تصدرها بعض الدول الأوروبية أو الولايات المتحدة ضد الجماعة تظل، من وجهة نظره، غير مؤثرة عمليًا.
مستقبل الإخوان.. السوشيال ميديا
وردًا على سؤال حول مستقبل جماعة الإخوان، قال فرغلي إن مستقبلها في الوقت الراهن يبدو “قاتمًا ومجمدًا”، في ظل وجود قيادات داخل السجون، وأخرى في الخارج، وانقسامات داخلية، إلا أنه اعتبر أن الجماعة قد تعود في حال حدوث تغيرات سياسية، لكن بصيغة مختلفة عن شكلها التقليدي.
من جانبها، تناولت الباحثة شيماء صابر ملف الشائعات ودور وسائل التواصل الاجتماعي لدى الإخوان، مؤكدة أن الجماعة اعتمدت على استراتيجية واضحة في إدارة الحملات الإعلامية، وأنها تمتلك ما وصفته بـ”جيش إلكتروني” استُخدم في حملات تستهدف تشويه صورة عدد من الدول العربية، خاصة فيما يتعلق بمواقفها من الحرب في غزة.
وأوضحت أن الشائعات أصبحت إحدى أدوات الحرب النفسية والاجتماعية، وأن المجتمعات أصبحت أكثر قابلية لاستقبالها وتداولها، وهو ما يتطلب تطوير أدوات المواجهة. وعقب فرغلي على ذلك بالقول إن الجماعة تمتلك غرفًا متخصصة لإطلاق الشائعات، وغرفًا للتصدي للشائعات الخاصة بالتنظيم، وأخرى للتجنيد، معتبرًا أنها تعتمد على ما وصفه بـ”الجيش اللامتماثل” غير النظامي، الأمر الذي يستوجب، بحسب رأيه، تطوير أدوات مشابهة لمواجهة هذا النمط من النشاط.
وأشار كذلك فرغلي إلى أن التنظيمات المرتبطة بجماعة الإخوان باتت تستخدم كذلك تقنيات “الدارك ويب” والعملات المشفرة في عمليات نقل الأموال وإنشاء مواقع إلكترونية خاصة بها، معتبرًا أن تطور أدوات الجماعة الرقمية يفرض تحديات جديدة تستدعي تطوير وسائل المواجهة على المستويات الأمنية والفكرية والإعلامية.
واختُتمت الحلقة النقاشية بفتح باب الحوار مع الحضور، الذين طرحوا تساؤلات ومداخلات تناولت مستقبل جماعة الإخوان، وآليات مواجهة الفكر المتطرف، وتطور أدوات التنظيمات الإرهابية، وخطورة توظيف وسائل التواصل الاجتماعي في نشر الشائعات والتجنيد، إضافة إلى انعكاسات المتغيرات الإقليمية على نشاط جماعات الإسلام السياسي.