بث تجريبي

ألمانيا تمضي في إعادة تسليح جيشها.. دوافع منطقية تصطدم بعقبات بيروقراطية

في ظل التحولات الأمنية المتسارعة التي تشهدها أوروبا، تسعى ألمانيا إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية بعد عقود من الاعتماد على مظلة حلف شمال الأطلسي "الناتو" والقيود التاريخية المفروضة على جيشها منذ الحرب العالمية الثانية.

وتتجه برلين إلى تنفيذ خطة واسعة لتحديث الجيش الألماني وتوسيع قدراته القتالية، بالتوازي مع رفع إنتاج مصانع الأسلحة وتطوير الصناعات الدفاعية، في خطوة تعكس تصاعد المخاوف الأوروبية من احتمال اتساع نطاق الحرب بالقرب من حدود القارة.

تحديات معقدة

غير أن هذا التحول العسكري الكبير يواجه تحديات داخلية معقدة، أبرزها البيروقراطية الإدارية وبطء آليات اتخاذ القرار، إضافة إلى صعوبات تتعلق بسوق العمل والتحول نحو اقتصاد صناعات دفاعية، بحسب ما أوردته صحيفة "التلغراف" البريطانية.

ووعد المستشار الألماني فريدريش ميرتس ببناء "أقوى جيش تقليدي في أوروبا"، لتبدأ الحكومة أكبر برنامج إعادة تسليح تشهده البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وفي هذا السياق، كثّفت شركة هيكلر آند كوخ إنتاجها من البنادق الهجومية وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة لصالح الجيش الألماني والقوات الخاصة، مع تنفيذ خطة استثمارية تتجاوز 200 مليون يورو لتوسيع خطوط الإنتاج.

وقال المدير التنفيذي للمبيعات في الشركة ماركو غايسنغر إن الشركة رفعت طاقتها الإنتاجية بشكل ملحوظ استعداداً لتلبية الطلب المتزايد على الأسلحة والمعدات العسكرية.

ومع سعي الجيش الألماني إلى تجنيد نحو 80 ألف جندي إضافي بحلول عام 2035، رفعت الشركة إنتاج بندقية "G95" القياسية، كما بدأت في توظيف مئات العمال وإنشاء منشأة إنتاج جديدة بمساحة ضخمة لتعزيز الإمدادات العسكرية.

وفي مارس الماضي، استحوذت الشركة على "غلوب إنجينيرينغ" البريطانية بهدف دعم تصنيع مكونات الأسلحة، بينما تعمل حالياً على تطوير أنظمة دفاع جوي جديدة، بينها قاذف آلي مخصص لإسقاط الطائرات المسيّرة.

تحول جذري

ويرى مسؤولون في قطاع الصناعات الدفاعية أن احتياجات الجيش الألماني شهدت تحولاً جذرياً مع تصاعد احتمالات المواجهة مع روسيا، ما دفع شركات السلاح إلى توسيع استثماراتها بوتيرة غير مسبوقة.

وفي المقابل، بات قطاع الصناعات الدفاعية يُنظر إليه باعتباره فرصة لإنعاش الاقتصاد الألماني، في وقت يعاني فيه قطاع السيارات من أزمة حادة أدت إلى فقدان آلاف الوظائف وتراجع أرباح شركات كبرى مثل مرسيدس بنز.

وتأمل الحكومة في استيعاب جزء من العمال المسرّحين داخل مصانع الأسلحة، مستفيدة من خبراتهم في مجالات الهندسة واللحام، رغم استمرار تحفظات بعض العاملين بسبب الإرث التاريخي المرتبط بالحروب.

كما تلعب شركة راينميتال دوراً محورياً في خطة إعادة التسلح، بعدما افتتحت مصنع ذخيرة بقيمة 500 مليون يورو يُعد الأكبر في أوروبا، إلى جانب مشاركتها في تصنيع دبابات "ليوبارد 2" ومركبات قتالية وبرامج تسليح متطورة.

وفي الوقت نفسه، بدأت شركات ناشئة متخصصة في الذكاء الاصطناعي دخول سوق الصناعات العسكرية، من بينها هلسينغ AI وأركس روبوتيكس، اللتان تعملان على تطوير أنظمة قتالية ذاتية القيادة وتقنيات لإدارة المركبات العسكرية عن بعد.

ورغم ارتفاع أرباح شركات السلاح وزيادة حجم الطلبات العسكرية، لا تزال هناك مخاوف متزايدة بشأن قدرة ألمانيا على تنفيذ هذا التحول العسكري بالسرعة المطلوبة، في ظل استمرار التعقيدات البيروقراطية وبطء الإجراءات الحكومية.

التردد الإداري

ويؤكد منتقدون أن المؤسسات الألمانية لا تزال تعاني من التردد الإداري وضعف المرونة، بينما تعتمد بعض الجهات الحكومية حتى الآن على أنظمة تقليدية قديمة، الأمر الذي يبطئ عملية التحديث العسكري.

كما يشير خبراء إلى وجود فجوة بشرية داخل الجيش، إذ يتم شراء معدات ومركبات عسكرية بوتيرة أسرع من القدرة على تدريب العناصر القادرة على تشغيلها.

قوة عسكرية كبرى

من جانبه، يتمسك وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس بخطة تهدف إلى تحويل ألمانيا إلى "قوة عسكرية كبرى"، عبر مراحل تشمل رفع الجاهزية القتالية، وتعزيز دعم حلف "الناتو"، والاستثمار في تقنيات الحرب الحديثة كالذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة.

ورغم الاندفاعة الحالية نحو التسلح، تبقى المخاوف قائمة داخل الأوساط السياسية والعسكرية الألمانية من أن برلين ربما تأخرت في الاستعداد لأي مواجهة محتملة مع روسيا خلال السنوات المقبلة.

 

قد يهمك