في عام 2014، وخلال أزمة ضم شبه جزيرة القرم بقيادة فلاديمير بوتين، كشفت تدريبات لحلف حلف شمال الأطلسي حجم التراجع الذي أصاب الجيش الألماني، حيث عانت وحداته من نقص حاد في التسليح لدرجة استخدام عصي المكانس بدلًا من المدافع الرشاشة على المدرعات.
لكن هذه الصورة تغيّرت جذريًا اليوم، إذ تسعى ألمانيا إلى تجاوز إرث ما بعد الحرب الباردة وقيود الماضي، عبر إطلاق أحد أكبر برامج إعادة التسلح في تاريخها الحديث، مدفوعة بتداعيات الحرب في أوكرانيا وتراجع الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية خلال فترة دونالد ترامب.
قفزة في الإنفاق العسكري
تبنّت برلين هدف بناء "أقوى جيش نظامي في أوروبا"، وفق استراتيجية جديدة للجيش الألماني (البوندسفير). ورفعت إنفاقها الدفاعي من 35 مليار يورو عام 2014 إلى أكثر من 100 مليار يورو مؤخرًا، لتصبح صاحبة أكبر ميزانية دفاعية في القارة.
وقاد المستشار فريدريش ميرز تعديلًا دستوريًا يسمح بتجاوز قيود الديون لتمويل الإنفاق العسكري، مؤكدًا أن حماية الأمن الأوروبي تتطلب استثمارات "مهما بلغت تكلفتها".
تعزيز الردع والانتشار
تركّز الاستراتيجية الجديدة على تحقيق "ردع موثوق" ضد روسيا وطمأنة الحلفاء، بدلًا من تحديد أرقام دقيقة للتسليح. وتشمل الخطط نشر لواء قتالي دائم في ليتوانيا، على الجناح الشرقي للناتو، في مواجهة النفوذ الروسي قرب كالينينغراد وبيلاروسيا.
كما تعمل ألمانيا على تطوير قدرات "الضربة الدقيقة العميقة"، عبر صواريخ بعيدة المدى قادرة على استهداف مواقع داخل الأراضي الروسية، دون التوجه نحو امتلاك أسلحة نووية، مع استمرار الاعتماد على الردع النووي للحلف.
تحديات التجنيد والصناعة
رغم توفر التمويل، تواجه برلين تحديات رئيسية، أبرزها نقص الأفراد والقدرات الصناعية. وتسعى لزيادة عدد الجنود من 185 ألفًا إلى 260 ألفًا، إضافة إلى رفع الاحتياط إلى 200 ألف بحلول منتصف ثلاثينيات القرن الحالي، مع احتمال إعادة التجنيد الإجباري إذا لزم الأمر.
في المقابل، يعزز القطاع الصناعي قدراته، حيث تخطط شركة "راينميتال" لرفع إنتاج الذخيرة بشكل كبير، مستفيدة من كون ألمانيا تمتلك أكبر اقتصاد صناعي في أوروبا.
تحول سياسي وعسكري
يمثل هذا التحول تغييرًا جذريًا في السياسة الألمانية، التي تجنبت لعقود لعب دور عسكري قيادي بسبب إرث الحرب العالمية الثانية. إلا أن وزير الدفاع بوريس بيستوريوس أكد أن ألمانيا باتت مستعدة لقيادة أوروبا عسكريًا.
ورغم هذا الزخم، يبقى التساؤل قائمًا حول قدرة ألمانيا على تسريع إعادة بناء جيشها بما يكفي لتغيير حسابات موسكو، ومنع أي تصعيد جديد في أوروبا.