شهدت العلاقة بين الولايات المتحدة والفاتيكان، على مدى عقود طويلة، مستوى مرتفعًا من التنسيق والتوافق، خاصة في القضايا الدولية المرتبطة بالديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام. غير أن هذا المسار التاريخي يواجه اليوم تحديات واضحة، مع تصاعد الخلافات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والبابا ليو الرابع عشر.
خلال الحرب الباردة، مثّل التعاون بين الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان والبابا يوحنا بولس الثاني نموذجًا بارزًا للشراكة، حيث عمل الطرفان على مواجهة النفوذ السوفيتي ودعم الحركات الديمقراطية في أوروبا الشرقية، ومنها حركة "تضامن" في بولندا. وأسهم هذا التقارب في ترسيخ الفاتيكان كحليف مؤثر لواشنطن في الساحة الدولية.
ورغم هذا التاريخ من التعاون، لم تكن العلاقة دائمًا مستقرة؛ إذ سادت في فترات سابقة حالة من الشك داخل الولايات المتحدة تجاه النفوذ البابوي، خاصة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، قبل أن تتغير هذه النظرة تدريجيًا مع تزايد أعداد الكاثوليك واندماجهم في المجتمع الأمريكي.
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، بدأت واشنطن في بناء شراكات دينية عالمية، شملت الفاتيكان، لمواجهة التحديات الدولية. واستمر هذا النهج خلال الحرب الباردة، حيث عززت إدارات أمريكية متعاقبة توظيف البعد الديني في مواجهة الشيوعية، ما ساهم في تعميق العلاقة مع الكرسي الرسولي.
لكن هذا التوافق بدأ يتراجع في السنوات الأخيرة. فمنذ تولي ترامب السلطة، برزت خلافات متزايدة مع الفاتيكان، خاصة بشأن قضايا الهجرة والسياسات العسكرية. وقد تبنى البابا ليو الرابع عشر مواقف ناقدة، داعيًا إلى حماية حقوق المهاجرين ورفض التصعيد في النزاعات الدولية، بما في ذلك التوترات المرتبطة بإيران.
ولم تقتصر الخلافات على الجانب السياسي، بل امتدت إلى البعد القيمي والديني. ففي الوقت الذي يتمسك فيه الفاتيكان بمبادئ "الحرب العادلة" المستمدة من تعاليم أوغسطين، يرى منتقدون أن السياسات الأمريكية لا تتوافق مع هذه المعايير.
كما أثارت بعض تصريحات وتصرفات ترامب جدلًا واسعًا، ما دفع الفاتيكان إلى توجيه رسائل غير مباشرة تؤكد رفضه للعنف والتصعيد، وتدعو إلى تغليب الحلول السلمية في إدارة النزاعات الدولية.
فضاءات الفكر
من زوايا العالم