بث تجريبي

موانئ وغاز ومطارات.. خريطة نفوذ جديدة ترسمها قطر والسعودية وتركيا في سوريا

تتحوّل سوريا تدريجيًا إلى ساحة تنافس اقتصادي محتدم بين قوى إقليمية ودولية، مع توقيع اتفاقيات كبرى في قطاعات الطاقة والموانئ والمطارات والبنية التحتية، بما يعكس صراعًا متزايدًا على النفوذ في شرق المتوسط، فمن المطارات إلى الموانئ، ومن الجسور إلى حقول النفط وشبكات الطاقة، قدّم نظام أحمد الشرع – المرتبط بهيئة تحرير الشام – هذه القطاعات لرأس المال الأجنبي، في مسارٍ يسعى من خلاله إلى تثبيت شرعيته السياسية والحصول على دعم دولي يضمن بقاءه، بينما يعاني السوريون من أزمات اقتصادية خانقة وتدهور أمني ومعيشي واسع.

منذ وصوله إلى دمشق في يناير 2024 برفقة مجموعات مسلحة، ألغى الشرع الاتفاقيات الموقّعة في عهد بشار الأسد، ثم اتجه سريعًا نحو دول الخليج والغرب وتركيا، موقّعًا خلال عام ونصف عشرات الاتفاقيات بمليارات الدولارات مع قطر والسعودية والإمارات والأردن والولايات المتحدة وفرنسا وتركيا، وقدّمت هذه الاتفاقيات بوصفها مدخلًا للحصول على شرعية إقليمية ودولية، في وقتٍ تتراجع فيه الخدمات الأساسية وتتصاعد معدلات الفقر.

برز الدور القطري مبكرًا، خاصة في المناطق التي خضعت للنفوذ التركي شمال سوريا، فمنذ احتلال عفرين عام 2018، موّلت مؤسسات قطرية مشاريع وُصفت بـ«الإنسانية» في جندريس وشرّا والباب وجرابلس، بالتنسيق مع أنقرة، تزامنًا مع نقل عائلات وعناصر من فصائل مسلحة من الغوطة وحمص ومناطق أخرى إلى تلك المناطق، ومع عام 2024 أصبحت الدوحة الحليف الأقرب للشرع، في ظل اقتصار أنشطتها على المناطق المتعاونة مع تركيا دون الانخراط في مناطق الإدارة الذاتية.

في 29 مايو 2025، وقّع الشرع اتفاقية طاقة بقيمة 7 مليارات دولار مع كونسورتيوم تقوده شركة UCC Holding القطرية، بمشاركة شركتي كاليون وجنكيز التركيتين، وPower International الأمريكية. يتضمن المشروع إنشاء أربع محطات غاز بقدرة إجمالية تبلغ 5000 ميغاواط، إضافة إلى مشاريع طاقة شمسية وخط أنابيب غاز بين كلس وحلب. وفي آب من العام نفسه، حصلت UCC على امتياز تطوير مطار دمشق الدولي بقيمة 4 مليارات دولار، مع خطط لرفع طاقته إلى 31 مليون مسافر سنويًا، وبناء محطة جديدة وفندق خمس نجوم يمنحان للشركة لمدة 30 عامًا.

وفي شباط 2026، وُقّعت اتفاقية تنقيب عن النفط والغاز في شرق المتوسط بين Power International القطرية وChevron الأمريكية، بالتزامن مع إنشاء «شركة النفط السورية» (SPC) بمرسوم يمنحها استقلالًا إداريًا وماليًا لتجميع المؤسسات النفطية تحت مظلة واحدة، وقد رُوّج لهذه الخطوة بوصفها رافعة للاقتصاد السوري.

السعودية بدورها كثّفت حضورها الاستثماري بعد تخفيف بعض العقوبات الأمريكية أواخر 2025، ففي يناير من ذلك العام، وقّعت SPC اتفاقيات مع شركات ADES وTAQA وARGAS وArabian Drilling لتطوير الحقول وزيادة الإنتاج، كما أطلقت الرياض صندوقًا استثماريًا بقيمة 7.5 مليارات ريال لتطوير مطاري حلب، وأُعلن عن شركة طيران مشتركة باسم Flynas Syria تمتلك السعودية 49% منها، إلى جانب مشاريع في الاتصالات (SilkLink) والمياه مع ACWA Power، وفي يوليو، وُقّعت 47 اتفاقية بقيمة تقارب 6 مليارات دولار، كما سددت قطر والسعودية 15.5 مليون دولار من ديون سوريا لدى البنك الدولي.

على الساحل السوري، حيث كانت تتمركز القاعدة البحرية الروسية في طرطوس والجوية في حميميم، تغيّر المشهد مع تراجع النفوذ الروسي، ففي مارس 2025، شهدت اللاذقية وطرطوس هجمات واسعة نسبت لفصائل تابعة للشرع، أسفرت عن مقتل مئات المدنيين واختطاف آخرين، دون محاسبة معلنة، بالتوازي، جرى تسريع توقيع اتفاقيات استثمارية في هذه المناطق.

ميناء طرطوس، أكبر موانئ البلاد، مُنح لشركة DP World الإماراتية بعقد يمتد 30 عامًا بقيمة 800 مليون دولار، بعد إلغاء اتفاق سابق مع شركة روسية كان يمنح موسكو حق التطوير لـ49 عامًا، كما وُقّعت اتفاقية مع شركتي CMA CGM الفرنسيتين لتشغيل محطة الحاويات في ميناء اللاذقية.

تركيا حافظت على موقعها كلاعب محوري. فمنذ سنوات الحرب الأولى دعمت فصائل مسلحة، وأنشأت نقاط مراقبة في إدلب وسيطرت على معابر حدودية مثل باب الهوى، ما وفّر غطاءً أمنيًا واقتصاديًا لهيئة تحرير الشام، وبعد استلام الشرع السلطة، رُفعت القيود التجارية التركية على سوريا في فبراير 2025، وسمح للتجارة السورية بالعبور عبر الأراضي التركية إلى دول أخرى.

توسّع التعاون لاحقًا إلى اتفاقيات «بين دولتين» في مجالات الدفاع والطاقة والبنية التحتية. وشاركت شركات تركية في كونسورتيوم مشروع الطاقة الضخم، كما وقّعت شركات كاليون وجنكيز وTAV، مع UCC وAssets Investments الأمريكية، اتفاقية بقيمة 3 مليارات دولار لتطوير مطار دمشق. وتشير تقديرات إلى أن قيمة الاتفاقيات التجارية والاستثمارية بين أنقرة ودمشق بلغت نحو 15 مليار دولار. وقد عُزّز هذا الحضور بمشاركة 112 شركة تركية في معرض Buildex بدمشق.

يرى خبراء أن أنقرة تسعى عبر هذه الاستثمارات إلى تعويض استبعادها من ترتيبات الطاقة في شرق المتوسط، خاصة بعد تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط الذي جمع مصر وإسرائيل واليونان وقبرص وإيطاليا والأردن، ما همّش الدور التركي في معادلات الغاز الإقليمية.

في المحصلة، تكشف هذه الشبكة الواسعة من الاتفاقيات عن سباق نفوذ اقتصادي فوق أرض سورية مثقلة بالأزمات، وبينما يقدّم الشرع هذه الشراكات بوصفها مدخلًا لإعادة الإعمار وكسب الشرعية، يرى منتقدون أنها تعمّق الارتهان للخارج وتعيد رسم خرائط السيطرة الاقتصادية، في ظل غياب الاستقرار السياسي والأمني، واستمرار معاناة السكان من الفقر وتدهور الخدمات.

قد يهمك