بث تجريبي

ندوة بالقاهرة حول "التاريخ بين الكومونالية والحضارة الدولتية"

نظّم مركز آتون للدراسات ندوة فكرية بعنوان "التاريخ بين الكومونالية والحضارة الدولتية"، مساء السبت 4 أبريل، وسط حضور مهتمين بالشأنين الفكري والسياسي.

وضمّت المنصة الرئيسية للندوة كلًّا من الدكتور أحمد إنبيوة، الباحث في التاريخ الحديث والمعاصر، والكاتب والباحث السياسي أحمد شيخو، فيما أدارتها الدكتورة ياسمين السبع، عضو اتحاد المؤرخين العرب.

وقدم المتحدثان رؤى تحليلية حول جذور الفكر الكومونالي وأثره في إعادة تشكيل مفاهيم السلطة والهوية، إضافة إلى مناقشة التحديات التي تواجه النماذج الدولتية في ظل الأزمات المعاصرة. وقد تطرقت كذلك إلى إشكالية تطور المجتمعات الإنسانية بين نماذج التنظيم الكومونالي القائم على المشاركة المجتمعية، ونموذج الدولة المركزية بوصفها إطارًا للحضارة الحديثة، مع محاولة قراءة التحولات التاريخية التي رافقت هذا الانتقال.

أهمية الموضوع

وفي تقديمها لها، قالت الدكتورة ياسمين السبع إن الندوة تستهدف مناقشة واحدة من القضايا الفكرية المهمة في دراسة تطور المجتمعات الإنسانية، وهي العلاقة بين الكومونة والدولة، وبين أشكال التنظيم المجتمعي الأولى والنظم السياسية والاقتصادية التي ظهرت لاحقًا.

ولفتت إلى أنه قد ظهرت عبر التاريخ الطويل للبشرية أنماط مختلفة لتنظيم الحياة الاجتماعية، إذ تشير كثير من الدراسات الأنثروبولوجية والتاريخية إلى أن المجتمعات الأولى عرفت أنماطًا من التنظيم تقوم على التعاون والمشاركة الجماعية في إدارة الموارد والحياة اليومية. وهذه الأنماط، التي يُشار إليها غالبًا بمفهوم الكومونة، كانت تعتمد على العلاقات الاجتماعية المباشرة، وعلى نوع من الإدارة الجماعية لشؤون المجتمع.

وأشارت إلى أن الندوة تطرح عددًا من الأسئلة التاريخية والفلسفية المهمة حول ماهية الكومونة، وهل كانت الشكل الأصلي لتنظيم المجتمع قبل ظهور الدولة؟ أم أن الدولة كانت تطورًا تاريخيًا ضروريًا لتنظيم المجتمعات المعقدة؟ وكيف أثرت التحولات الاقتصادية والسياسية في العلاقات الاجتماعية وفي وضع المرأة؟ وهل يمكن أن تقدم الكومونة رؤى مختلفة لفهم مشكلات المجتمعات المعاصرة؟ منوهة إلى أن غاية اللقاء ليست تقديم إجابات نهائية بقدر ما هي إيجاد مساحة للحوار والتحليل، ورؤية مختلفة لمحاولة قراءة التاريخ من زوايا متعددة تساعدنا على فهم الحاضر والعمل على المستقبل.

نشأة الكومونة

وقد أُديرت الندوة في شكل تساؤلات طرحتها الدكتورة ياسمين السبع على المتحدثين الرئيسيين، وكان أولها حول نشأة الكومونة، والتي تحدث عنها الدكتور أحمد إنبيوة، الباحث في التاريخ الحديث والمعاصر، حيث أوضح أن الكومونة، بوصفها شكل التنظيم الاجتماعي الأول، لم تنشأ من نظرية، بل نشأت من الضرورة. فحين عاش الإنسان في جماعات صغيرة قبل نشوء الدولة والملكية الخاصة، كانت إدارة شؤون الجماعة تجري عبر التشاور المباشر وتوزيع الموارد وفق الحاجة، لا وفق التراكم.

وذكر هنا أن مارشال سالينز قد وثّق في "اقتصاديات العصر الحجري" أن هذه المجتمعات لم تكن مجتمعات شح وعوز كما صوّرها الفكر الليبرالي، بل كانت تعمل بمنطق الاكتفاء لا منطق التراكم، وأفرادها يعملون ساعات أقل مما يعمله الإنسان الصناعي الحديث. وهذا يعني أن الكومونة ليست مرحلة بدائية تجاوزها التاريخ، بل كانت نظامًا ناجحًا في شروطه.

تطرق "إنبيوة" إلى علاقة الكومونة بالمجتمع الأمومي، حيث وصفها بالعلاقة العضوية العميقة؛ فالمجتمعات الأمومية في العصر الحجري الحديث، التي تعود إلى ما قبل عشرة آلاف عام، كانت تُنظّم حياتها حول المرأة بوصفها محور الإنتاج والنسل والذاكرة الجماعية. وفي هذه المجتمعات لم تكن السلطة غائبة، بل كانت موزّعة توزيعًا يمنع تمركزها في يد فرد أو مجموعة.

واسترشد "إنبيوة" بما أشار إليه بوكتشين بأن "المجتمع العضوي" في هذه المرحلة كان يقوم على مبدأ "الانتفاع المشترك"، أي استخدام الموارد وفق الحاجة، و"التكامل الأخلاقي" بين أفراد الجماعة. وحين تفككت هذه البنية تدريجيًا مع نشوء الزراعة الكبرى والفائض الاقتصادي، بدأت الهيمنة الذكورية تحلّ محل التوازن الأمومي، وبدأت الكومونة تفقد طابعها التلقائي لتصبح شكل مقاومة لا شكل حياة طبيعي. ومن هنا يمكن القول إن الكومونة كانت فعلًا نموذجًا مبكرًا للديمقراطية المباشرة، لكنها ديمقراطية لم تكن تعرف هذا الاسم لأنها كانت الحالة الطبيعية لا الاستثناء.

أوجلان ونشأة الطبقة السلطوية

وحول ظهور الفئة المسيطرة وتحولها إلى طبقة سلطوية، وما إذا كان ذلك نواة ظهور الدولة، يقول "إنبيوة" إن الزعيم الكردي عبدالله أوجلان يجيب عن هذا السؤال بوضوح في كتاباته، حيث يؤكد أن الزمروية أو "الفئة المسيطرة" لم تكن نتاجًا لتطور طبيعي تلقائي في المجتمع، بل كانت نتاج انشطار مقصود استُخدم فيه العنف الرمزي والمادي معًا لتثبيت الهيمنة.

وأوضح أنه لفهم هذا الانشطار تاريخيًا، يُعيد أوجلان قراءة الحضارة السومرية بوصفها المختبر الأول لهذه العملية. فالزقورة السومرية لم تكن مجرد معبد ديني، بل كانت في الوقت ذاته مركزًا إداريًا واقتصاديًا حوّل إنتاج المجتمع إلى خدمة لنخبة الكهنة الذين رُفعوا إلى مرتبة الألوهية لتشريع سلطتهم. وهنا يكمن مفتاح الإجابة: الانشطار الأول استخدم المقدّس أداةً للهيمنة، إذ حوّل القرار الجماعي إلى تفويض إلهي لا يُنازَع.

وأشار إلى أنه تاريخيًا تحوّلت هذه الزمروية عبر مراحل متتالية: من طبقة الكهنة والمحاربين في المدن الأولى، إلى أرستقراطية النسب في الإمبراطوريات، إلى برجوازية رأس المال في الحداثة الرأسمالية. غير أن ما يُلفت الانتباه في قراءة عبدالله أوجلان هو أن الأداة تغيّرت لكن المنطق بقي واحدًا: احتكار المعرفة أولًا، ثم احتكار القرار ثانيًا، ثم احتكار الثروة ثالثًا. ومن هنا يرفض عبدالله أوجلان تفسير نشوء الطبقة السلطوية الدولتية بوصفه ضرورة حضارية أو نتيجة لتفاوت القدرات الطبيعية، ويراه اختيارًا تاريخيًا مقصودًا مُرسّخًا بالعنف، وما دام اختيارًا فهو قابل للمراجعة والتجاوز.

المرأة والكومونة

من بين الأسئلة التي وُجّهت إليه ما يتعلق بعوائد نظام الكومونة على المرأة، لا سيما أنها تعيش أفقر عصورها مقارنة بالعصور الأمومية، وهنا يقول "إنبيوة" إن الادعاء بأن المرأة تعيش اليوم أفقر عصورها هو ادعاء يستحق التدقيق أولًا. فالمقارنة بالمجتمع الأمومي النيوليتي لا تعني أن المرأة آنذاك كانت تمتلك حرية فردية بالمعنى الحديث، بل تعني أنها كانت تحتل موقعًا مركزيًا في البنية الاجتماعية والإنتاجية لم تُهمَّش منه بعد.

وذكر هنا أنه حين يقول عبدالله أوجلان إن هيمنة الرجل على المرأة هي أقدم علاقة هيمنة في التاريخ، فهو لا يقول ذلك نوستالجيًا، بل ليؤسّس نظريًا على أن تحرر المرأة شرط بنيوي لأي تحرر اجتماعي حقيقي، لا مطلب يُضاف إليه. ولفت إلى أن النظام الكومونالي يُعزّز دور المرأة عبر آليتين متمايزتين: الأولى هيكلية، وهي نظام المشترك الثنائي الذي يُلزم كل موقع قيادي بأن يتشارك فيه رجل وامرأة، وهو ما يُحوّل المشاركة من مبدأ يُعلَن إلى اشتراط مؤسسي يُطبَّق. والثانية تنظيمية، وهي المجالس النسائية المستقلة التي تعمل بالتوازي مع المجالس المختلطة، مما يضمن أن المرأة لا تُشارك فحسب، بل تمتلك فضاءً خاصًا لبلورة موقفها قبل الدخول في الفضاء العام.

الكومونة حالة قائمة

أبعاد عدة تطرق إليها كذلك الباحث أحمد شيخو من خلال الأسئلة التي وُجّهت له حول مفهوم الكومونة، وقد أكد خلالها أن الكومونة هي الحالة الأساسية التي تواجدت في مناطق عديدة، الحالة القائمة على التشارك والتفاعل، أو حالة التشارك في الحياة، وهي كذلك حالة الديمقراطية القاعدية.

وقد تطرق بدوره إلى التطورات التي لحقت بنظام الكومونة، من المجتمع الأمومي الذي كان يعبر عن اجتماع الأفراد حول المرأة قبل ظهور مفهوم الأسرة أو الأب. ويوضح أن من بين المجموعة التي كانت حول المرأة بدأ ظهور الرجال الذين كانت مهمتهم الصيد، وتكوّن ما يمكن تسميته كوخ الصيادين، وهنا بدأ يظهر ما يسمى "القاتل الفئوي" أو "القاتل الزمروي"، حيث كانت مهمة هؤلاء قتل الأطفال وأكل لحومهم واستعباد النساء.

ووصف "شيخو" تلك الفئة الزمروية بالعصابة المستمرة طوال التاريخ، وإن كانت تتغير صورتها من مرحلة تاريخية إلى أخرى، وصولًا إلى النظام الرأسمالي، وما يتضمنه من استغلال من قبل تلك الفئة، معتبرًا أن فضيحة جيفري إبستين في الولايات المتحدة الأمريكية كانت صورة لهذا القاتل الزمروي.

وهنا يقول "شيخو" إن المجموعة الزمروية التي تمثل 1% من الموجودين تقريبًا هي التي تسيطر على الثروة وتعبر عن مصالحها فقط، وأفرادها خارج نطاق أي محاسبة أو دستور أو قانون، معتبرًا أن "هذه العصباتية أساس الاستغلال". وقد تمايزت عن مجتمع الكومونة بأنها أرادت اغتصاب حق الآخرين، بداية عبر أكل لحوم البشر، ثم مأسسة نفسها أرستقراطيًا في حضارات عديدة مثل البابلية والسومرية والآشورية ووادي النيل والبوذية، ثم انتشرت في عدة مناطق بالعالم.

وعن الكومونة والقانون والأخلاق، يقول "شيخو" إن القانون ظهر لاحقًا، لكن طوال مراحل التاريخ كانت ميول الإنسان أو أخلاقه هي السائدة، لتكون هناك منظومة قيم تحدد علاقات الناس ببعضها، إلا أن المنظومة القيمية تم استهدافها، ومن هنا كان ظهور الأنبياء لدعم المضطهدين في مواجهة المجموعات الزمروية التي وصلت إلى مرحلة ادعاء الألوهية. وعلى سبيل المثال، فإن النبي محمد (ص) نسف فكرة الألوهية لدى المجموعة الزمروية حين قال إن الله لا شريك له.

وعن الديمقراطية اليونانية، يقول "شيخو" إن الديمقراطية اليونانية إحدى التجارب المهمة في السياق التاريخي الذي يدور الحديث عنه، وقد كانت تشبه كثيرًا المجتمع الكومونالي، إلا أنها تجربة ديمقراطية غير كاملة. وقد أشار إلى أنها أتت نتاج رافدين: الأول من جبال طوروس وزاغروس، والثاني من الحضارة المصرية، فقد أخذوا في اليونان الحالة الكومونالية من هذين الرافدين.

الكومونة والتنوع

من بين ما تحدث عنه كذلك ما يمثله نظام الكومونة في المجتمعات التي تعرف بالتنوع الثقافي والإثني، ويقول "شيخو" في هذا السياق إننا منذ القرن الـ16 إلى الآن ونحن في حالة هيمنة للحداثة الرأسمالية أو الحضارة الغربية أو أوروبا الغربية.

ويلفت إلى أن القاتل الزمروي نظّم نفسه كحالة رأسمالية، حيث وضعت هذه الفئة أيديها على منتجات البشر وقوة العلم والفلسفة، وحوّلت الحداثة إلى أدوات للهيمنة، فقد حولت الرأسمالية الدولة إلى جهاز فاشي. وقد هاجم القاتل الزمروي التنوعات والرغبة في العيش المشترك لفرض هيمنته، وفرض عقلية إقصائية، وقسم المجتمعات، ومن ذلك التفريق بين الرجل والمرأة. فهذه الفئة تقضي على التنوع لاستمرار نهب الآخر.

واعتبر شيخو، في حديثه عن موقع تلك الزمروية من الدولة، أن الأصل أن قيم الكومونة موجودة في أي دولة، فهي حالة أساسية، فيما أن الزمروية مثل العصابة التي تتحول إلى دولة أو سلطة لتحقيق مصالحها فقط. لكن إذا كانت تلك الفئة التي تحولت إلى سلطة تعمل في إطار التكامل وتنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس عقد اجتماعي يضع مصالح الناس، ويعطي لهم مساحة من الحرية وعدم الاستغلال، فإنها تكون أقرب إلى نظام الكومونة، فالكومونة هي إرادة التشارك والعيش المشترك وتحقيق مصالح الناس، وأن يكون الإنسان فاعلًا.

وشهدت الفعالية تفاعلًا من الحضور، حيث طُرحت تساؤلات حول إمكانية التوفيق بين النموذجين، ومدى قابلية تطبيق الكومونالية في السياقات الحديثة، ما أضفى على الندوة طابعًا حواريًا ثريًا، فضلًا عن إشادة عدد من الحضور بفلسفة عبدالله أوجلان فيما يخص نظام الكومونة وتحليله، لا سيما أنه يتحرك من إطار يتعلق بمصالح الناس لا تعبيرًا عن مشروع استعماري سلطوي.

 

قد يهمك