في ظل تصاعد تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية واتساع نطاقها الجغرافي، تتزايد حدة التوتر داخل العراق، لا سيما بين بغداد وأربيل، وسط تحركات لافتة للفصائل المسلحة الموالية لإيران.
في هذا الحوار، يكشف الباحث السياسي العراقي حسين الأسعد، لـ"المبادرة"، كيف تحولت الساحة العراقية إلى ميدان مفتوح لتصفية الحسابات الإقليمية، مشيرًا إلى أن هذه الفصائل تستغل أجواء الحرب للضغط على الحكومة المركزية واستهداف إقليم كردستان بذرائع غير منطقية. كما يحذر من مخاطر خلط الأوراق أمنيًا وسياسيًا، في ظل حكومة ضعيفة تعيش حالة "حياد سلبي"، بانتظار ما ستسفر عنه موازين القوى بين واشنطن وطهران.
وإلى نص الحوار:
*كيف تسببت الحرب الإيرانية في توتير الأجواء بين أربيل والحكومة المركزية في بغداد؟
- نعم، بالبداية الموضوع هو الحرب الأمريكية الإيرانية، ومشكلة هذه الحرب أن جغرافيتها غير محدودة، وبالتالي هي تمتد إلى مساحات أوسع من حدود الدول التي تخوضها. بالتأكيد الحرب الدائرة الآن بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تعدّت جغرافيتها مساحة هذه الدول، وأصبح العراق أرضًا رخوة أو مستباحة يمكن أن تقع فيها التداعيات. نلاحظ أنه يتم قصف بعض المناطق من قبل إسرائيل، وكذلك توجه ضربات من قبل الولايات المتحدة، ويُهاجم أيضًا من إيران، وفي نفس الوقت هناك بعض الفصائل المسلحة أو المجاميع المسلحة تقوم بتوجيه ضربات باتجاه مناطق حيوية داخل العراق، على اعتبار أنها قد تمس المصالح الأمريكية أو حتى لتكون عامل ضغط على الحكومة العراقية.
*إلى أي درجة كان تحريك الفصائل الموالية لإيران للمشاركة في هذه الحرب متوقعاً؟
- لتسهيل الفكرة، هذه الفصائل ليست تابعة للحكومة العراقية بقدر ما هي فصائل عقائدية، وكما تعرفون بعد عام 2003 كان هناك نفوذ كبير للجانب الإيراني داخل العراق، مستندًا إلى المكون الشيعي الذي يرتبط عقائديًا بنفس المذهب والرؤية مع الجانب الإيراني، وبالتالي كانت هناك نقطة التقاء قوية ومصالح مشتركة، فكان هناك دعم سياسي من قبل إيران، وأيضًا دعم أمني وعسكري من قبل الحرس الثوري عبر فيلق القدس لهذه الفصائل العقائدية. بالتأكيد هذه الفصائل الآن، ومع دخول إيران في معركة ربما تُسمى معركة "الوجود أو اللاوجود"، كان تحريك هذه الفصائل أمرًا متوقعًا جدًا، لكن غير المتوقع هو طبيعة الأهداف التي تم توجيه هذه الضربات إليها داخل العراق، وهو ما يزعج الاستقرار السياسي. وعلى اعتبار أن إقليم كردستان يشكل جزءًا أساسيًا من النظام الاتحادي في العراق، لأنه في حال عدم وجود إقليم كردستان يتحول العراق إلى حكومة مركزية، أما الآن فهو نظام اتحادي فدرالي، ولهذا فإن الوضع السياسي لإقليم كردستان داخل العراق هو وضع مهم جدًا في هذه الخارطة السياسية.
*إذن كأن الضربات جاءت لتشكل ضغطاً على الحكومة العراقية، أليس كذلك؟
- بالفعل، توجيه هذه الضربات أعتقد أنه جاء بقصد تشكيل عامل ضغط على الحكومة العراقية، خاصة أن الحكومات العراقية منذ عام 2003 وحتى اليوم هي حكومات ائتلافية تدخل ضمن ما يسمى بالشراكة الوطنية، وكان الكرد حقيقة يلعبون دورًا إيجابيًا، خصوصًا بعد عام 2003 مباشرة، حينما كان هناك ما يُعرف بالاقتتال الطائفي، حيث عمل إقليم كردستان على إيجاد حالة من التوازن.
*هل كانت دوافع الضربات منطقية؟
- الغريب في الأمر أنه الآن بدأنا نرى حالة من الهجوم على إقليم كردستان بحجج غير منطقية، وهذه ليست أول ضربات، فقد كانت هناك ضربات سابقة قبل سنوات أيضًا باتجاه الإقليم بحجج واهية، مثل وجود بعض المراكز للموساد، بينما في الواقع لا تحتاج إسرائيل إلى مثل هذه المراكز في شمال العراق أو جنوبه، لأن الأجواء العراقية أصلًا تحت سيطرة الولايات المتحدة، ونحن نعلم طبيعة العلاقة الاستخباراتية القوية بين الجانب الإسرائيلي والأمريكي. لكن في كثير من الأحيان كانت هذه الحجج تُستخدم تحت ضغوط سياسية، حيث تحاول بعض القوى المرتبطة بفصائل عراقية الحصول على مكاسب أكبر من حجمها في الانتخابات، من خلال الضغط على إقليم كردستان وتقليل حجم شراكته في بغداد أو إزاحته جزئيًا من المشهد.
*كيف ستكون إذن تداعيات هذه المرحلة؟
- أنا أعتقد أن تداعيات هذه المرحلة خطيرة جدًا على الواقع السياسي، وأود أن أشير إلى مسألة مهمة، وهي محاولة خلط الأوراق. بعض الضربات قد تم توجيهها إلى جهاز المخابرات العراقي قبل أسابيع أو أيام قليلة، ونتج عنها سقوط ضحايا من الضباط العراقيين، وبالتأكيد لم تتبنَّ الفصائل العراقية هذه الهجمات، لكن ربما هذه الزعزعة في الأمن والاستقرار داخل العراق قد تدفع جهات خارجية أو مجاميع مسلحة أخرى إلى المشاركة في زعزعة الأمن، على اعتبار أنها محاولة لخلط الأوراق.
ولأن الكتلة الأكبر الحاكمة في العراق هي من الأحزاب الشيعية، فقد يكون هناك سعي لإحداث تغيير أو انقلاب في الواقع السياسي العراقي. لذلك أقول إن كل عمل أمني يستهدف الداخل العراقي هو في حقيقته أداة ضغط على العراق، سواء كان من إيران أو من الولايات المتحدة أو من إسرائيل. والمشكلة الآن أنه بعد أحداث 7 أكتوبر وتراجع نفوذ إيران في المنطقة، أعتقد أن الولايات المتحدة تحاول فرض رؤيتها السياسية وبصمتها بشكل واضح في العراق، وهو ما لا يعجب الدول المجاورة، خصوصًا إيران التي تمتلك النفوذ الأكبر منذ عام 2003 وحتى الآن.
*من الواضح أن بعض الفصائل تحاول استغلال هذا الواقع لتصفية حسابات مع إقليم كردستان، كيف ترى ذلك؟
- بالضبط سيدي العزيز، في العراق هناك الكثير من الفصائل، وبعض هذه الفصائل انخرطت في العملية السياسية وأصبح لها تمثيل داخل البرلمان، واندمجت مع الرؤية الحكومية، خصوصًا بعد انسحاب القوات الأمريكية. لكن لا تزال هناك فصائل أخرى خارج هذا الإطار حتى هذه اللحظة. الفصيلان المعروفان في العراق لا يتبنيان الضربات باتجاه إقليم كردستان، وإنما هناك جهات أخرى ظهرت على أرض الواقع وتبنت هذه العمليات، مثل فصيل "أولياء الدم" الذي أعلن مسؤوليته عن بعض هذه الضربات.
وفي كل الأحوال، فإن هذه الضربات تمثل ضغطًا على إقليم كردستان، لاعتقاد بعض الأطراف بأن الإقليم مهم جدًا للرؤية الأمريكية في المنطقة، وربما يمثل نموذجًا مختلفًا. وبالمناسبة، قبل يومين تم استهداف رئيس إقليم كردستان السيد نيجيرفان بارزاني.
*كيف ترى موقف الحكومة العراقية من هذه التطورات؟
- الحكومة العراقية الآن هي حكومة تصريف أعمال، ومن الطبيعي أن تكون هذه الحكومات مرتبكة في مثل هذه الظروف. منذ انتهاء الانتخابات وحتى هذه اللحظة لم يتم تشكيل حكومة جديدة، وذلك بسبب الخلافات الداخلية بين المكونات السياسية. في السابق كانت الخلافات بين المكونات المختلفة، لكن الآن أصبحت الخلافات داخل كل مكون نفسه، سواء داخل الإطار التنسيقي أو داخل الأحزاب الكردية أو حتى السنية. لذلك فإن تشكيل الحكومة يبدو متأخرًا، خاصة أن الكتلة الأكبر داخل الإطار التنسيقي تحاول إدارة التوازنات، ممثلة برئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، الذي يحاول الإمساك بالعصا من المنتصف. لكن في الحقيقة، مخرجات الحرب الدائرة بين طهران وواشنطن هي التي ستفرض شكل الحكومة القادمة.
لهذا أرى أن الحكومة العراقية في حالة ما يمكن تسميته "الحياد السلبي"، فهي لا تتحرك ولا تؤثر، بعكس الحياد الإيجابي الذي يتطلب لعب دور الوسيط وتقريب وجهات النظر. الحكومة لا تمتلك الأدوات السياسية الكافية للتأثير، فهي لا تستطيع التأثير على الفصائل المسلحة، ولا على الولايات المتحدة أو الجانب الإسرائيلي، ولا حتى على الجانب الإيراني. وبالتالي، فإن حالة السكون السياسي التي تعيشها الحكومة الآن ناتجة عن انتظارها لمخرجات هذه الحرب ونتائجها، وهو ما يجعلها في وضع ترقب بدلاً من الفعل، إلى حين اتضاح شكل المرحلة القادمة.