في الأيام الأولى من عملية "الغضب الملحمي" التي أطلقتها الولايات المتحدة، تلقّى الحرس الثوري الإيراني ضربات قاسية أثّرت بشكل ملحوظ على قدراته التكتيكية.
لكن تقريرًا لمجلة "ناشيونال إنترست" يشير إلى أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية المكثفة قد لا تكون كافية لتحقيق هدف التدمير الكامل للحرس الثوري في المستقبل القريب، لأسباب تتجاوز الجانب العسكري البحت.
ومنذ بدء الهجمات المركّزة في 28 فبراير، استهدفت واشنطن وتل أبيب قيادات بارزة داخل الحرس الثوري، من بينها اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في الساعات الأولى من العملية، إلى جانب عدد من كبار القادة الذين قُتلوا في تفجيرات متزامنة.
ورغم الخسائر الكبيرة التي طالت القيادة المركزية، أظهر الحرس الثوري وفق التقرير قدرة ملحوظة على التكيّف، مستفيدًا من نموذج القيادة اللامركزية.
فقد تحرّك قادة ميدانيون بشكل سريع ومستقل، وردّوا على الهجمات بوابل من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما قلّل من تأثير استهداف القيادة العليا أو ما يُعرف بضرب "الرأس".
وعلى الصعيد العسكري، تكبّد الحرس الثوري خسائر كبيرة، حيث دُمّرت أو خرجت من الخدمة أكثر من 20 سفينة حربية رئيسية، بينها حاملة الطائرات المسيّرة "شهيد باقري" وسفينة "آيريس مكران" وسفن من فئة "سليماني".
كما أصبحت البحرية التابعة للحرس، بحسب التقرير، أقل فاعلية في المواجهات التقليدية، لكنها ما تزال قادرة على تنفيذ هجمات غير متكافئة باستخدام زوارق الهجوم السريع المنتشرة على طول الساحل الإيراني الصخري، وهي أهداف يصعب القضاء عليها بالكامل عبر الضربات الجوية.
وفي مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، فقد الحرس نحو 300 منصة إطلاق خلال الموجات الأولى من الهجمات، ما أدى إلى تراجع حجم الإطلاق بنسبة تراوحت بين 80 و90%. ونتيجة لذلك، اتجهت طهران بشكل أكبر للاعتماد على الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة مثل "شاهد-136".
أما أنظمة الدفاع الجوي، فقد تعرضت لضربات قاسية، إذ تم تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 200 نظام دفاعي، إضافة إلى تفكيك منظومة الدفاع الجوي المتكاملة وفقدان السيطرة الجوية المحلية فوق طهران، مع استهداف مقرات القيادة والسيطرة.
ورغم هذه الضربات الموجعة، ترى مجلة "ناشيونال إنترست" أن القضاء على الحرس الثوري بالكامل يبدو هدفًا صعب التحقيق، وربما مستحيلًا في ظل الظروف الحالية.
فالحرس الثوري، وفق المجلة، ليس مجرد قوة عسكرية موازية للجيش، بل مؤسسة أيديولوجية راسخة أسسها المرشد الأول روح الله الخميني عام 1979 لحماية الثورة الإسلامية، وليس فقط الدولة الإيرانية.
ويمتد نفوذ الحرس إلى مجالات عديدة داخل إيران، من الاقتصاد وقطاعات البناء والطاقة والاتصالات إلى شبكات التهريب والجهات القضائية والاستخباراتية، إضافة إلى دوره في قمع الاحتجاجات الداخلية.
كما يعتمد الحرس على فيلق القدس لإدارة شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء في المنطقة، إلى جانب تماسكه الأيديولوجي ومرونته التنظيمية وقدرته على تحقيق قدر من الاكتفاء الاقتصادي.
وفي ظل الفراغ الذي خلّفه اغتيال خامنئي، يُنظر إلى الحرس الثوري باعتباره القوة الأكثر تأثيرًا داخل إيران، وربما يعزز نفوذه خلال المرحلة الانتقالية، مع احتمال تشكّل نظام أمني أكثر حضورًا للجيش، فيما سيظل مستقبل الحرس مرهونًا بمدى تماسكه الداخلي وقدرته على إعادة بناء قوته العسكرية.