عودة الاستقرار لسوريا مرهون باستمرار الجهود المبذولة لمواجهة الإرهاب بكافة صوره وأشكاله، وبخاصة معالجة إشكالية المقاتلين الإرهابيين، فضلًا عن إطلاق تسوية سياسية شاملة تضم كافة المكونات السورية بشكل يسهم في الحفاظ على وحدة سوريا ودعم أمنها واستقرارها ومؤسساتها الوطنية. ولا شك أن انتشار المقاتلين الأجانب من الإرهابيين المتطرفين في سوريا لم يكن ظاهرة عشوائية، بل نتيجة تداخل عوامل سياسية وأمنية واجتماعية وإقليمية ودولية، وتشمل الفراغ الأمني وانهيار مؤسسات الدولة منذ اندلاع الصراع المسلح في 2011، مما أدى إلى تفكك السيطرة المركزية على مساحات واسعة، بجانب ضعف الرقابة على الحدود، خاصة مع دول الجوار، مما جعل سوريا ساحة مفتوحة لعبور المقاتلين.
كما أن استغلال الجماعات المتطرفة للصراع الطائفي ساعد التنظيمات الإرهابية في تغذية خطابًا طائفيًا ومذهبيًا لجذب مقاتلين أجانب بزعم نصرة طائفة أو عقيدة، وتصوير الصراع كـ حرب دينية عالمية ساعد على تعبئة متطرفين من آسيا وأوروبا وأفريقيا.
ولا يمكن أن نغفل أيضًا الدعم الخارجي المباشر وغير المباشر من جانب بعض الدول أو الشبكات الإقليمية التي غضّت الطرف عن عبور المقاتلين أو قدمت دعمًا لوجستيًا وتمويليًا، واستخدام الجماعات المتطرفة كـ أدوات ضغط سياسي أو عسكري في مراحل معينة من الصراع.
كما أنني أتصور أن البيئة الجاذبة للتنظيمات الجهادية في الأراضي السورية ساهمت في أن تتحول سوريا إلى مركز جذب عالمي للتنظيمات المتطرفة مثل داعش والنصرة وغيرها، فضلًا عن وجود معسكرات تدريب وتخصيص موارد مالية من عوائد النفط والتهريب والفِدى، مما خلق مساحات للتمدد، بالإضافة إلى فشل سياسات الاندماج ومكافحة التطرف في دول المنشأ، كما أن كثيرًا من المقاتلين الأجانب جاؤوا من مجتمعات تعاني التهميش والبطالة وأحياء مهمشة في أوروبا وآسيا، بجانب ضعف برامج مكافحة التطرف الفكري وإعادة التأهيل.
ولا يمكن إغفال الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي بمقاطع دعائية احترافية وخطاب عاطفي يستهدف الشباب، بشكل يساعد على سهولة التجنيد عن بُعد ثم تسهيل السفر إلى سوريا، فضلًا عن تضارب مصالح القوى الكبرى والإقليمية مما أطال أمد الصراع، ولا بد من إدراك أن غياب حل سياسي شامل يخلق بيئة مثالية لاستمرار وجود المقاتلين الأجانب.
ولمواجهة المقاتلين الأجانب من الإرهابيين المتطرفين في سوريا يتطلب التوصل لمقاربة شاملة لا تقتصر على الحل الأمني وحده، بل تجمع بين الأبعاد العسكرية والسياسية والفكرية والاقتصادية، وتشديد الرقابة على الحدود ومنع تسلل المقاتلين الأجانب عبر التعاون مع دول الجوار، بالإضافة إلى القيام بعمليات استخباراتية دقيقة لاستهداف القيادات ومراكز التمويل والتجنيد لتفكيك الخلايا النائمة داخل المدن والمخيمات.
ودعم القوات المحلية النظامية في مكافحة الإرهاب بدل الاعتماد على مليشيات متنافسة، مع الاتجاه المتسارع لتجفيف مصادر التمويل وقطع طرق تهريب النفط والسلاح والبشر، وملاحقة شبكات التمويل غير الشرعي وفرض رقابة دولية صارمة على التحويلات المالية المرتبطة بمناطق النزاع.
كما ينبغي مراعاة المواجهة الفكرية والإعلامية لتفكيك الخطاب المتطرف عبر علماء دين معتدلين وخطاب ديني عقلاني يفضح تحريف النصوص، وإنتاج محتوى إعلامي مضاد بلغات متعددة يستهدف الشباب المعرضين للتجنيد، مع مراعاة مراقبة المنصات الرقمية التي تُستخدم للتجنيد والتحريض.
من المؤكد أننا بحاجة للوصول إلى تسوية سياسية شاملة تُعيد وحدة الدولة ومؤسساتها، وإنهاء مناطق الفراغ الأمني التي تتغذى منها التنظيمات المتطرفة، ودعم الإدارة المحلية والخدمات. كما ينبغي مراعاة إعادة المقاتلين إلى دولهم ومحاكمتهم أو إنشاء محاكم دولية خاصة، وإعداد برامج فك الارتباط والتأهيل الفكري لمن لم تتلطخ أيديهم بالدماء.
ومن الأهمية الإسراع بإعادة الإعمار وخلق فرص عمل للشباب ودعم التعليم ومحو الأمية في مناطق النزاع، وتحسين الأوضاع في مخيمات النازحين لمنع تحولها إلى بؤر تجنيد، ولا بد من تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الدول لتوحيد تعريف الإرهاب ومنع ازدواجية المعايير، وتحييد الصراع عن التوظيف السياسي للجماعات المتطرفة.
أعتقد أن إعلان اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، وتأكيدات الحكومة السورية أنها لن تدخل القرى الكردية، يمثل خطوة نحو إطلاق عملية سياسية واسعة تأتي في إطار ما أعلنه القائد العام لقوات قسد من أن الانسحاب من الرقة ودير الزور يأتي تأكيدًا لعدم إراقة الدماء بين أبناء الوطن الواحد، مع التمسك بمكتسبات الشعب.