بث تجريبي

حذامي محجوب تكتب: السيادة ضد الحقيقة: كيف كسر الفضاء حصار الإنترنت في إيران!

حين قرّرت طهران غلق الإنترنت، لم تكن تعلّق خدمة تقنية عابرة، بل كانت تحاول إطفاء مجتمع كامل.

فحين تُنتزع الشبكة من أيدي الناس، يُنتزع معها حقهم في أن يروا ويُرَوا، أن يتكلموا ويُسمَعوا، وأن يثبتوا، ولو رقميا، أنهم ما يزالون أحياء.

لذلك لم يكن قطع الإنترنت في إيران إجراءً إداريا ولا احترازا أمنيا، بل كان فعلا وموقفا سياسيا صرفا، واحدا من أقدم أدوات القمع في نسخته الحديثة: التحكم في المعلومة، خنق التواصل، ودفع المجتمع إلى عزلة قسرية تشبه السجن الجماعي.

غير أن ما لم تحسبه السلطة بدقة هو أن هذا السجن لم يعد محكما كما كان من قبل. ففي زمن الأقمار الصناعية، لم يعد احتكار الاتصال امتيازا أرضيا للحكومات، ولا السيطرة على الفضاء أمرا ممكنا بالمنطق القديم.

ظهور شبكات الاتصال عبر المدار المنخفض حوّل السماء إلى مجال سياسي جديد، تتصارع فيه الدول مع الأفراد، وتدخل فيه التكنولوجيا بوصفها طرفا فاعلا في معادلة الحرية.

فحين أُغلقت مزودات الإنترنت الخاضعة للدولة، تسلّل الاتصال من فوقها، من المدار، عبر أطباق صغيرة هُرّبت إلى الأسطح والبيوت.

عندها فقدت الرقابة بوابتها، لأن البوابة لم تعد على الأرض.

منذ الضربات التي تعرّضت لها إيران، سارع البرلمان إلى حظر شبكة “ستارلينك” التابعة لإيلون ماسك، في محاولة لإغلاق آخر نافذة بقيت مفتوحة بين الإيرانيين والعالم.

لكن هذه الشبكة، التي تعمل عبر أقمار صناعية في المدار المنخفض، كشفت حدود السيادة التقليدية، وجعلت من الفضاء ساحة سياسية جديدة لا تخضع بسهولة لمنطق الحجب والمنع.

هكذا تحوّل المدار إلى مجال مقاومة رقمية في وجه سلطة تسعى إلى احتكار الصمت كما تحتكر القرار.

لم يكن لجوء السلطات إلى التشويش على الأقمار الصناعية سوى اعتراف غير مباشر بأن السيطرة لم تعد كاملة. فالدولة التي تحاول حجب الفضاء هي دولة تدرك أن الأرض بدأت تفلت من قبضتها.

التشويش هنا ليس إجراءً تقنيا محايدا، بل امتداد لمنطق القمع ذاته: ما لا يمكن إسكاتُه بالقوة، يُخنق بالضجيج، ويُربك بالتشويه، ويُحاصر بإفساد الإشارة.

إنها سياسة إدارة الصمت بدل مواجهة الصوت.

غير أن التجربة الرقمية الحديثة أثبتت أن المنع لا يُغلق الدوائر، بل يوسّعها. كلما اشتدّ القطع، تكاثرت مسارات الالتفاف.

فحين يُغلق طريق، تُفتح عشرات الممرات الجانبية.

هكذا انتقل الإيرانيون من الشبكات الأرضية إلى الشبكات الفضائية، ومن المنصات الخاضعة للرقابة إلى فضاءات عابرة للحدود، ومن البث المباشر إلى رسائل مقتضبة ومقاطع قصيرة تنتظر نافذة اتصال لتنفذ منها إلى الخارج.

في هذه اللحظات، تصبح الثانية فعلا سياسيا، وتتحول كل حزمة بيانات إلى شهادة وجود.

الأخطر على السلطة أن قطع الإنترنت لا يعزل المجتمع عن العالم فحسب، بل يعزل الدولة عن واقعها.

فالنظام الذي يمنع تدفّق المعلومات لا يحمي نفسه، بل يعميها.

لا يرى حجم الغضب، ولا عمق الاحتجاج، ولا اتساع الهوّة بينه وبين الناس.

وفي هذا الفراغ، تتضخم الأوهام، وتُبنى القرارات على تقديرات مشوّهة، فيزداد القمع عشوائية، وتتعمق الأزمة إلى حدّ يعجز معه العنف عن إدارتها.

إن منع المعلومات ليس إجراءً أمنيا، بل حرب على المجال العام، وعلى الذاكرة الحية للمجتمع.

إنه محاولة لإعادة الزمن إلى ما قبل الصورة، إلى ما قبل الشهادة، إلى ما قبل أن يكون للضحايا أسماء ووجوه. لكنه، في الوقت نفسه، اعتراف بالخوف: الخوف من أن تُروى القصة كما هي، وأن تنكسر رواية الدولة أمام الرواية الإنسانية.

ما يجري في إيران اليوم، ليس مجرد مواجهة في الشوارع، بل معركة على الموجات والترددات، على من يملك الحق في أن يرى وأن يُرى.

إنها حرب على قدرة المجتمع على توثيق ألمه وهو يعيشه ويحدث.

ومع ذلك، فإن كل تشويش هو إقرار بوجود حقيقة تُطارَد، وكل قطع هو دليل على أن الصوت أقوى من الرقابة، وأن السلطة، مهما بلغت قسوتها، لا تستطيع أن تحاصر الفضاء إلى الأبد.

قد يهمك