بث تجريبي

يحيى العريضي يكتب: من المرحلة الانتقالية إلى الإخضاع القسري

العلويون في الساحل أولاً، ثم الدروز جنوباً، واليوم تتم مهاجمة المكون الكردي. هل هذا مسار تمرّد متفرّق؟ إنه كذلك من وجهة نظر سلطة أحمد الشرع (الجولاني) التي دخلت في مسار تصادمي ممنهج مع السوريين بكافة أطيافهم، وهي تنفّذ تعليمات خارجية لفرض منهج الإخضاع القسري. فما تشهده سوريا منذ سنة ليس تعثّراً تقنياً لمرحلة انتقالية، بل إعادة إنتاج منطق النظام القائم على القهر والإجرام والفساد. هذا النظام الوليد من رحم التطرف والإرهاب لا يرى في التنوع الاجتماعي والسياسي مادة لعقد وطني، بل فرصة للإخضاع والسيطرة.

المفروض أن تكون المرحلة الانتقالية لحظة فك اشتباك تاريخي بين السلطة والعنف. وأن تكون لحظة انتقال من منطق الغلبة والإجرام إلى منطق الشرعية، لكن سلطة الشرع  عادت لاستدعاء الأدوات نفسها التي يفترض أن سقوط الاستبداد الأسدي قد أنهى صلاحيتها السياسية والأخلاقية.

 بدل أن تنطلق السلطة المؤقتة من فرضية أن سقوط الأسد ألغى الحاجة للعنف المركزي، تتعامل منذ سيطرتها على الحكم مع المكونات السورية كما لو أنها امتداد لمشكلة أمنية يجب تفكيكها بالقوة، لا كشركاء سياسيين يجب أن يتم إدماجهم ضمن عقد وطني جديد ينهي حقبة الصراع الممتدة منذ أعوام عبر ضمانات دستورية وآليات تمثيل حقيقية وعدالة انتقالية، وليس عبر فرض الطاعة عسكرياً وإعادة تعريف الخلاف السياسي كخيانة أو تمرّد.

لماذا استعصت المكونات السورية؟ الجواب ليس "رفضاً للدولة" وليس "نزعات انفصالية" كما تحاول سلطة الشرع تسويقه. إنه ببساطة رفض منهج الإخضاع القسري بوصفه أساساً لإعادة بناء الدولة. فلم يكن لأي مكون من المكونات التي تواجه هذه السلطة حالياً أي توجه انفصالي قبل ما تم ارتكابه من جرائم وانتهاكات من قبل هذه السلطة وأتباعها بحق المكونات السورية. هذه المكونات على اختلاف تجاربها ومخاوفها، كانت في لحظة سقوط الأسد مستعدة وراغبة في الانخراط بعملية إعادة بناء الدولة شرط أن تكون دولة مؤسسات ومواطنين وليست دولة غلبة قائمة على حكم العائلة والفرد مجدداً.

ما قامت به سلطة الشرع (الجولاني) تحت مسمّى "سلطة انتقالية" كان العكس تماماً. فبدل أن تفتح المجال أمام الشراكة والتعددية، كشّرت عن أنياب حقدها الأيديولوجي المتطرف، وأعادت إنتاج خطاب الإقصاء واحتكرت الوطنية، وأصدرت إعلاناً دستورياً يكرّس حكم الجولاني، واستخدمت العنف المفرط كأداة سياسية أولى لا أخيرة، وارتكبت جرائم مخزية راح ضحيتها الألاف من المدنيين. هنا، تحول معنى التمرّد، فلم يعد فعلاً سياسياً يطالب بحقوق خاصة أو امتيازات فئوية، بل بات فعل مقاومة وجودي، يهدف إلى منع الإلغاء المادي والمعنوي والإبادة الجماعية.

خطاب سلطة الشرع سياسياً وخطاب ماكيناتها الإعلامية يصوّر المكونات السورية التي تدافع عن حقها بالوجود على أنها عصابات متمرّدة على قانون وضعه رموز التطرف والإرهاب في هذه السلطة فقط، وهذا الخطاب لا يتعدى كونه ألية نزع شرعية نمطية تستخدمها أنظمة الاستبداد عندما تعجز عن تبرير عنفها السياسي ومجازرها، فلتجأ لتجريد من يقاوم طغيانها من حقه بالمقاومة المشروعة. خطابها هذا يتجاهل حقيقة أن هذه السلطة لا تمتلك شرعية قانونية، وأنها مرتبطة بمنظمة (إرهابية)، وأن المكونات السورية هم أبناء الأرض، ومكونات تأسيسية في الكيان السوري، وأن استعصاؤها هو رفض قاطع للعودة إلى نظام استبدادي يتبنى أيديولوجية الإجرام والتطرف الراديكالي.

استمرارية النزاع المسلح: أيقنت جميع المكونات السورية أن هذه السلطة لا تختلف البتة عن نظام الأسد في درجة إجرامه أو فساده السياسي والمالي. باتت هذه المكونات على قناعة تامة أن الانخراط في شراكة سياسية مع سلطة ترى الحكم غنيمة حرب هو أمر عبثي سيعيدها إلى منطق الإقصاء والتهميش ويعرضها للاضطهاد مجدداً. فسلطة الشرع التي تتخبط ضمن محاولاتها لإرضاء الخارج على حساب الداخل لن تكون مستعدة للتشارك السياسي الحقيقي، بل تستعمله غطاءً لتثبيت وجودها في السلطة السياسية، وهذا الأمر يهدد فكرة الدولة السورية ذاتها، فالمكونات التي تقاوم حالياً لا تريد الوصول للسلطة، بل تريد الحفاظ على وجودها وبقائها وحقوقها السياسية والاجتماعية أمام تنظيم (إرهابي) يدعي أنه دولة.

قد يهمك