بث تجريبي

لجنة "4+4" تتحرك من تونس لإنقاذ الانتخابات الليبية

عادت لجنة الحوار الليبية المصغرة «4+4» إلى الاجتماع في العاصمة التونسية، في محاولة لدفع مخرجات الاتفاق الذي توصلت إليه نحو التنفيذ، بعد انتهاء المهلة التي حددتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لمجلسي النواب والمجلس الأعلى للدولة للتعامل مع الاتفاق.

وعقدت اللجنة اجتماعها في مقر البعثة الأممية بتونس، لمتابعة تنفيذ التفاهمات التي جرى التوصل إليها، وبحث الخطوات المرتبطة بتوحيد مؤسسات الدولة وإنهاء حالة الانقسام السياسي والمؤسسي، في وقت لا تزال فيه خلافات بين الأطراف الليبية تعرقل التقدم نحو إجراء انتخابات وطنية.

وكانت البعثة الأممية قد أحالت اتفاق «4+4» إلى مجلسي النواب والأعلى للدولة في 3 سبتمبر/أيلول الماضي، ومنحتهما مهلة شهر للموافقة عليه، قبل انتهاء المهلة في 30 سبتمبر/أيلول من دون التوصل إلى موقف مؤسسي موحد؛ إذ أقر مجلس النواب الاتفاق، بينما لم يعتمدْه المجلس الأعلى للدولة.

اجتماع بعد انتهاء المهلة

يأتي اجتماع اللجنة في ظل اختبار جديد لمدى قدرة أعضائها على تجاوز الخلافات والانتقال من مرحلة التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ.

وتبحث «4+4»، برعاية بعثة الأمم المتحدة، عددًا من الملفات، بينها المناصب السيادية وتوحيد السلطة القضائية، إلى جانب متابعة تنفيذ الاتفاق الذي توصلت إليه في 30 أغسطس/آب الماضي بشأن المسار الانتخابي والمؤسسات المرتبطة به.

وكانت اللجنة قد اتفقت في أغسطس/آب على إطار لإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وإجراء تعديلات على القوانين الانتخابية، في مسعى لإعادة إطلاق العملية السياسية وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات وطنية في ظل مؤسسات موحدة.

وحظي الاتفاق بدعم مجلس الأمن ومجلس النواب، فيما بقيت مواقف داخل المجلس الأعلى للدولة متحفظة بشأن بعض آليات التعامل مع الملفات الانتخابية والإجراءات المرتبطة بها.

وفي 20 سبتمبر/أيلول الماضي، عقدت اللجنة اجتماعًا في تونس لمتابعة تنفيذ الاتفاق، وجدد أعضاؤها التزامهم بالمضي في تطبيق مخرجاته، كما اتفقوا على مواصلة التواصل مع الأطراف الليبية الأخرى لتوسيع قاعدة الدعم للتفاهمات.

وكانت البعثة الأممية قد أعلنت حينها عقد اجتماع جديد خلال الأسبوع الأول من أكتوبر/تشرين الأول، وهو الاجتماع الذي يأتي في ظل انتهاء المهلة الممنوحة للمؤسسات الليبية.

من الانتخابات إلى توحيد المؤسسات

لا تقتصر الملفات المطروحة أمام لجنة «4+4» على تعديل القوانين الانتخابية، بل تمتد إلى قضايا مؤسسية أوسع، من بينها المناصب السيادية وتوحيد السلطة القضائية، باعتبارهما من الملفات المرتبطة مباشرة بإنهاء الانقسام بين مؤسسات الدولة.

وتواجه مخرجات اللجنة مواقف متفاوتة من المؤسسات الليبية، إذ صوّت مجلس النواب في سبتمبر/أيلول بالإجماع على اعتماد الاتفاق النهائي، بينما لا تزال اعتراضات قائمة داخل المجلس الأعلى للدولة بشأن بعض القضايا الانتخابية وآليات تنفيذ التفاهمات.

وتسعى الأمم المتحدة من خلال استمرار اجتماعات اللجنة إلى البناء على اتفاق أغسطس/آب، وتجنب عودة المسار السياسي إلى حالة الجمود التي حالت دون إجراء الانتخابات التي كانت مقررة في ديسمبر/كانون الأول 2021.

اتفاق أغسطس.. اختبار التنفيذ

تعود مخرجات «4+4» إلى تفاهمات توصلت إليها اللجنة خلال أغسطس/آب، عندما وقّعت مسودة اتفاق نهائي بشأن المسار الانتخابي وتوحيد السلطة التنفيذية، مع الاتفاق على بحث آليات التنفيذ والإعلان الرسمي عن التفاهمات.

وجاءت هذه التحركات ضمن الحوار الأممي المصغر الذي أطلق بهدف كسر الجمود السياسي وتنفيذ خارطة طريق المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا هانا تيتيه، المعلنة في أغسطس/آب 2025، والتي تقوم على التوافق بشأن إطار انتخابي، وتوحيد مؤسسات الدولة عبر حكومة واحدة، وإطلاق حوار سياسي شامل.

وفي يوليو/تموز الماضي، أعلنت البعثة الأممية استكمال اللجنة مناقشة القضايا العالقة والاتفاق على تكليف فريق عمل من أعضائها بصياغة الاتفاق النهائي.

كما أقرت اللجنة في 14 يوليو/تموز آلية جديدة لاختيار مرشح توافقي لرئاسة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بعد تعذر تنفيذ اتفاق سابق بهذا الشأن.

وكانت اللجنة قد اتفقت خلال اجتماعها الأول في روما في 29 أبريل/نيسان الماضي على إعادة تشكيل مجلس المفوضية، والتوصية بتكليف النائب العام المستشار الصديق الصور بترشيح رئيس جديد للمفوضية من بين القضاة المعروفين بالكفاءة والحياد.

شبح انتخابات 2021

ولا يزال تعثر انتخابات ديسمبر/كانون الأول 2021 حاضرًا في المشهد السياسي الليبي، بعدما اقتربت البلاد حينها من موعد الاقتراع، قبل أن تؤدي الخلافات القانونية والسياسية والأمنية إلى تعطيل الاستحقاق وإعادة العملية الانتخابية إلى نقطة الجمود.

وتشكلت لجنة «4+4» في ظل استمرار الخلاف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن قوانين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

وتضم اللجنة عضوين عن كل مجلس، إلى جانب عضوين اختارتهما حكومة طرابلس وعضوين اختارتهما قيادة الجيش في بنغازي، وتعمل على ملفات مرتبطة بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، واختيار رئيس جديد لها، إلى جانب معالجة الخلافات المتعلقة بالقوانين الانتخابية.

ويأتي ذلك فيما لا تزال ليبيا منقسمة بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة ومقرها طرابلس، وحكومة أسامة حماد المكلفة من مجلس النواب ومقرها بنغازي.

العقبة الأكبر.. الانتقال من التفاهم إلى التنفيذ

يمثل الانتقال من الاتفاق السياسي إلى التنفيذ الاختبار الأبرز أمام لجنة «4+4»، خصوصًا في ظل سوابق شهدت تعثر تفاهمات سياسية بعد الإعلان عنها وعدم ترجمتها إلى إجراءات عملية.

وقال المحلل السياسي الليبي أيوب الأوجلي، في تصريحات سابقة، إن التوصل إلى اتفاق بين أعضاء اللجنة يمثل تطورًا إيجابيًا، لكن تقييمه يتوقف على إعلانه رسميًا وظهور مخرجاته، ثم معرفة مواقف الأطراف التي قد تعارضه أو تعمل على عرقلة تنفيذه.

وأشار الأوجلي إلى أن ليبيا شهدت خلال الفترة الماضية تفاهمات بشأن توحيد الميزانية والإنفاق، إلا أن بعضها لم يُطبق على أرض الواقع، معتبرًا أن اتفاق «4+4» لا يمكن الحكم على فاعليته إلا بعد تحوله إلى خطوات تنفيذية وحصوله على قبول الأطراف المتنافسة على السلطة.

ويرى الأوجلي أن غياب سلطة تنفيذية موحدة يمثل إحدى أبرز العقبات أمام إجراء الانتخابات، معتبرًا أن توحيد السلطة التنفيذية، حتى في إطار تقاسم السلطة خلال المرحلة الحالية، يمثل خطوة أساسية قبل الانتقال إلى الانتخابات وتحقيق الاستقرار.

كما لفت إلى استمرار عقبات أخرى، بينها مواقف قوى سياسية وفصائل مسلحة، فضلًا عن الانقسام السياسي وانتشار السلاح، وهي عوامل تزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.

دعم أمريكي للمسار

وحظي التقدم الذي أحرزته لجنة «4+4» بترحيب أمريكي، إذ رحب كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، بالتقدم الذي حققته الأطراف الليبية في تونس نحو التوصل إلى اتفاق بشأن القوانين الانتخابية والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

ووصف بولس هذه الخطوة بأنها مهمة على طريق بناء مسار ذي مصداقية يقود إلى انتخابات وطنية ناجحة، مؤكدًا استمرار الولايات المتحدة في دعم الحوار بين الأطراف الليبية، والعمل مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والشركاء الدوليين لمساعدة الليبيين على التوصل إلى حل سياسي دائم وتشكيل سلطة تنفيذية موحدة قادرة على إدارة البلاد.

وتكثف الولايات المتحدة تحركاتها لدفع ليبيا نحو تسوية سياسية جديدة تقوم على تقاسم السلطة بين الإدارتين المتنافستين في شرق البلاد وغربها، مع العمل على توحيد مؤسسات الدولة وتحريك الاستثمارات الأجنبية، ولا سيما في قطاع النفط.

وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع استعداد بعثة الأمم المتحدة لمواصلة جهودها السياسية في ليبيا، قبل انتهاء ولايتها الحالية في 31 أكتوبر/تشرين الأول، وسط ضغوط دولية متزايدة على الأطراف الليبية للانخراط في مسار يقود إلى توحيد المؤسسات وإجراء انتخابات وطنية.

قد يهمك