بث تجريبي

6 أشهر من الصمت.. غياب مجتبى خامنئي يثير تساؤلات حول دوره وقيادة إيران

بعد نحو ستة أشهر من الغارات الجوية التي أشعلت الحرب وأسفرت عن تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الإيراني، لا يزال غائبًا عن الظهور العلني، رغم إصابته بجروح بالغة خلال الضربات التي أودت بحياة والده، علي خامنئي.

وأثار الغياب الطويل تساؤلات متزايدة بشأن الوضع الصحي للمرشد الإيراني ودوره الفعلي في إدارة شؤون البلاد، في وقت تواجه فيه إيران قرارات مصيرية مرتبطة بالحرب وتداعياتها الاقتصادية والسياسية.

وبحسب مسؤولين إيرانيين ومصادر رفيعة المستوى داخل البلاد، لا يزال مجتبى خامنئي يمارس دوره في إدارة الدولة من خلف الكواليس لدواعٍ أمنية، بينما يتعافى من إصابات بالغة أثرت في ملامح وجهه.

ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من المعلومات المتعلقة بحالته الصحية أو طبيعة دوره في عملية صنع القرار، وفق ما أوردته «رويترز».

إدارة من خلف الكواليس

وتقول المصادر إن خامنئي فوض جانبًا واسعًا من مهام الإدارة اليومية إلى مجموعة من كبار المسؤولين، مع احتفاظه، وفق روايتهم، بالقرار النهائي في القضايا الرئيسية.

لكن عدم نشر أي صورة حديثة أو تسجيل مصور أو رسالة صوتية له منذ اختياره مرشدًا في 8 مارس، بعد أسبوع من اندلاع الحرب، عزز التساؤلات داخل إيران بشأن مدى حضوره الفعلي في إدارة الجمهورية الإسلامية، حيث يفترض أن يكون للمرشد الكلمة الفصل في القضايا الكبرى.

وزادت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الجدل حول مصير خامنئي، إذ قال إنه لا يعتقد أن المرشد الإيراني توفي، لكنه أشار إلى تعرضه لإصابات خطيرة جدًا في الجانب الأيسر من جسده وذراعه وساقه.

وأضاف ترمب أنه في حال كان خامنئي قد توفي، فإن السلطات الإيرانية تقدم، بحسب وصفه، رواية مقنعة للغاية، في إشارة إلى استمرار المسؤولين الإيرانيين في التأكيد على الرجوع إليه للحصول على الموافقة النهائية على القرارات.

وقال أليكس فاتانكا، من معهد الشرق الأوسط في واشنطن، إن السؤال لم يعد مرتبطًا فقط ببقاء مجتبى خامنئي على قيد الحياة، وإنما بمدى امتلاك إيران مرشدًا يؤدي مهامه فعليًا.

غياب الصورة والصوت

منذ اختياره مرشدًا، لم يظهر مجتبى خامنئي علنًا، كما لم تنشر السلطات الإيرانية صورة حديثة أو تسجيلًا صوتيًا أو مصورًا يمكن التحقق من توقيته.

واختصرت رسائله إلى الإيرانيين في عدد محدود من البيانات المكتوبة التي تلاها مذيعون عبر نشرات الأخبار، كما غاب عن مراسم تشييع والده التي أقيمت الشهر الماضي.

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، نفت وكالة «فارس» التابعة للحرس الثوري أن يكون تسجيل متداول يظهر خامنئي إلى جانب عدد من رجال الدين قد صُور بعد توليه منصب المرشد، موضحة أن المقطع يعود إلى فترة سابقة.

ويربط مسؤولون إيرانيون ومطلعون على الملف غيابه بمخاوف أمنية تتعلق باحتمال تعرضه للاغتيال، مؤكدين أنه يعقد اجتماعات متكررة مع كبار المسؤولين، ويتلقى التقارير الرئيسية، ويشارك في اتخاذ القرارات المهمة.

وكان الرئيس مسعود بزشكيان قد قال في 10 أغسطس إنه عقد اجتماعًا استمر سبع ساعات مع خامنئي. وأعلن مكتب المرشد في اليوم ذاته عقد لقاء بين الرجلين لمناقشة تطورات الحرب والأوضاع الاقتصادية والمعيشية ومستقبل البلاد، لكنه لم ينشر صورة أو تسجيلًا للاجتماع.

وقبل ذلك بأيام، قال بزشكيان إن التواصل مع خامنئي أصبح «صعبًا جدًا» في الوقت الراهن، مع تأكيده في الوقت نفسه عقد اجتماعات معه وصفها بالمثمرة.

شكوك داخل إيران

لم يقتصر الجدل على المعارضين للنظام، إذ بدأت تساؤلات مماثلة تظهر بين بعض المؤيدين للجمهورية الإسلامية.

وقال أحد أفراد قوات الباسيج في مدينة قم، معقل التيار المحافظ، إنه يحتاج إلى سماع صوت المرشد أو رؤية إشارة تثبت أنه لا يزال يقود البلاد ويمسك بزمام الأمور، معتبرًا أن غيابه الكامل عن المشهد يضعف الروح المعنوية.

وأوضح، طالبًا عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع، أنه يعتقد أن خامنئي لا يزال يتخذ القرارات الرئيسية، لكنه يرى أن عدم ظهور أي صورة له لا يخدم مصلحة إيران.

وفي المقابل، تبدو الشكوك أكثر وضوحًا بين المعارضين للنظام والمطالبين بإصلاحات سياسية واسعة.

وقال شاهرخ، وهو رجل أعمال مؤيد للإصلاحات في طهران، إن غياب أي إشارة تثبت بقاء خامنئي على قيد الحياة أو مشاركته في صنع القرار يثير تساؤلات متزايدة.

الحرس الثوري يعزز نفوذه

وبعد ستة أشهر من الحرب مع خصومها، خرجت إيران منهكة لكنها حافظت على تماسك نظامها السياسي، بينما ظل جيشها قادرًا على التأثير في إمدادات الطاقة العالمية.

وأظهرت المؤسسة الحاكمة قدرتها على التعامل مع غياب المرشد وعدد من القادة العسكريين البارزين، مع الحفاظ على تسلسل سياسي وعسكري موالٍ للنظام.

في المقابل، تعرض الاقتصاد الإيراني لضغوط شديدة نتيجة تداعيات الحرب والحصار المفروض منذ أشهر على صادرات النفط، ما أدى إلى تراجع قيمة الريال وأعاد المخاوف من اندلاع احتجاجات واسعة على غرار تلك التي قمعتها السلطات في يناير.

وفي ظل هذه الضغوط، أعادت المؤسسة الحاكمة ترتيب أولوياتها حول الحفاظ على الدولة، واستعادة قوة الردع، والحيلولة دون تحول التداعيات الاقتصادية إلى عامل يهدد استقرار البلاد.

وبحسب المصادر، عزز الحرس الثوري، الذي يتمتع أصلًا بنفوذ واسع داخل النظام، حضوره منذ اندلاع الحرب، وأصبح أكثر تأثيرًا في عملية صياغة التوجهات الاستراتيجية، بالتزامن مع إعادة تنظيم آليات صنع القرار حول المجلس الأعلى للأمن القومي.

وتضم الدائرة العليا لصنع القرار عددًا من كبار قادة الحرس الثوري، إلى جانب شخصيات سياسية بارزة، من بينها الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.

وتؤكد مصادر رفيعة المستوى داخل إيران أن خامنئي يشارك في الاجتماعات مع هذه الشخصيات، ويتابع الملفات الرئيسية، وله الكلمة الأخيرة في القضايا الكبرى.

وقال مسؤول إيراني كبير إن عددًا محدودًا من المسؤولين فقط ما زالوا على اتصال مباشر وشخصي بالمرشد، مشيرًا إلى أن التكتم بشأن تفاصيل وضعه يهدف إلى منع تسرب معلومات يمكن أن تستخدمها الولايات المتحدة لاستهدافه.

تباين الروايات حول حالته

وقال شخص مقرب من الدائرة الضيقة المحيطة بخامنئي إن حالته الصحية شهدت تحسنًا ملحوظًا، مؤكدًا أنه لا يزال يتمتع بسرعة البديهة ويشارك في عملية صنع القرار.

كما قال مسؤول إيراني آخر إن مؤسسات الدولة تواصل عملها بصورة طبيعية، وإن السياسة الخارجية والقرارات الحكومية ما زالت متماسكة، معتبرًا أن ذلك يعكس استمرار المرشد في ممارسة دوره.

وكان مجتبى خامنئي، حتى قبل الحرب، يفضل العمل بعيدًا عن الأضواء، باعتباره أحد أبرز مساعدي والده، ولم يكن من الشخصيات التي تظهر كثيرًا في المجال العام.

وبحسب مصادر رفيعة المستوى، أصيب مجتبى بجروح خلال الساعات الأولى من 28 فبراير، عندما شنت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات جوية أدت إلى مقتل والده، وتشير هذه المصادر إلى أن الإصابات تسببت في تغيرات واضحة بملامح وجهه.

لكن توليه منصب المرشد، وما يمنحه هذا الموقع من صلاحيات واسعة، جعلا استمرار غيابه عن المشهد أكثر إثارة للتساؤلات، خصوصًا في ظل الأزمة التي تمر بها إيران والتي تعد من أخطر الأزمات التي تواجه النظام منذ ثورة 1979.

قرار الحرب والسلام

ويرى أليكس فاتانكا أن استمرار غياب خامنئي قد يصبح أكثر حساسية مع أي قرارات مصيرية تتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة.

وقال إن أي اتفاق حقيقي مع واشنطن يحتاج إلى موافقة واضحة من مجتبى خامنئي، كما أن قرار مواصلة صراع طويل ومكلف مع الولايات المتحدة يتطلب بدوره حسمًا من أعلى هرم السلطة.

وحذر من أن الغياب الطويل للمرشد يخلق مساحة أمام الفصائل المتنافسة داخل النظام لتقديم روايات مختلفة بشأن موقفه الحقيقي، وما إذا كانت القرارات المتخذة تعكس إرادته المباشرة أم تعكس توازنات القوى داخل الدائرة الحاكمة.

قد يهمك