بث تجريبي

بين واشنطن وطهران.. هل يغيّر العراق موقفه من حزب الله؟

يجد العراق نفسه أمام تحدٍ سياسي ومالي جديد بعد تداول وثيقة منسوبة إلى وزارة الخارجية العراقية بشأن تعميم عقوبات أمريكية طالت جهات مرتبطة بحزب الله اللبناني وتنظيم داعش، ما أعاد الجدل حول طبيعة تعامل بغداد مع العقوبات الأمريكية وموقفها من الحزب المدعوم من إيران.

وثيقة تضع بغداد أمام معادلة صعبة

وتضمنت الوثيقة، التي لم تؤكد الحكومة العراقية صحتها أو تنفها حتى الآن، إخطارًا موجها إلى عدد من المؤسسات والجهات الرسمية بشأن إجراءات اتخذتها وزارة الخزانة الأمريكية ضد أفراد وكيانات متهمة بارتباطها بأنشطة تمويلية لصالح تنظيم داعش، إضافة إلى جهات مرتبطة بحزب الله اللبناني.

ويرى مراقبون أن هذا التعميم، في حال تأكيده رسميًا، يعكس التزام العراق بالمنظومة المالية الدولية، لكنه في الوقت ذاته يضع بغداد أمام اختبار حساس يتمثل في تحقيق التوازن بين علاقاتها مع الولايات المتحدة وإيران، بعد سنوات تحولت خلالها الأراضي العراقية إلى ساحة تنافس بين الطرفين.

ويعد حزب الله اللبناني أحد أبرز حلفاء إيران في المنطقة، ضمن شبكة تضم فصائل عراقية مسلحة والحوثيين في اليمن وحركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين.

وخلال التصعيد العسكري الأخير بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، شارك حزب الله وعدد من الفصائل العراقية الموالية لطهران في هجمات دعماً لإيران، ما أعاد تسليط الضوء على نفوذ هذه الجماعات السياسي والعسكري.

زيارة واشنطن تضاعف الضغوط على الحكومة العراقية

وتزامنت هذه التطورات مع زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الولايات المتحدة، حيث التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أشاد به ووصفه بأنه "بطل رائع" وصديق للولايات المتحدة.

وكان الزيدي قد تعهد بتعزيز سلطة الدولة، وإنعاش الاقتصاد العراقي، والعمل على حصر السلاح بيد المؤسسات الأمنية الرسمية، في إشارة إلى تقليص نفوذ الفصائل المسلحة القريبة من إيران والتي سبق أن استهدفت مصالح أمريكية داخل العراق.

وحددت الحكومة العراقية نهاية سبتمبر/أيلول المقبل موعدًا نهائيًا أمام الفصائل المسلحة لتسليم أسلحتها، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في العراق.

ورغم إعلان بعض الفصائل استعدادها للتعاون مع الحكومة، ترفض مجموعات أخرى التخلي عن سلاحها، في وقت لا تزال فيه القوى المسلحة الموالية لإيران تمتلك نفوذًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا.

بغداد تلتزم بالعقوبات لأسباب مالية

وقال محللون إن العراق لا يصنف حزب الله اللبناني كمنظمة إرهابية حتى الآن، لكن ذلك لا يمنعه من الالتزام بالعقوبات المفروضة عليه من الجهات الأمريكية بسبب ارتباط النظام المالي العراقي بالدولار والمؤسسات المالية الدولية.

وأوضح خبراء أن بغداد تعتمد بشكل كبير على النظام المالي العالمي في إدارة احتياطياتها وتسوية معاملاتها بالدولار، ما يدفعها إلى تعميم قوائم العقوبات على المصارف والمؤسسات المحلية لتجنب تعرضها لعقوبات قد تؤثر على تعاملاتها الدولية.

وأشاروا إلى أن العراق يسعى إلى تعزيز شراكته الاقتصادية مع الولايات المتحدة، ولذلك فإن الالتزام بقرارات وزارة الخزانة الأمريكية ومجلس الاحتياطي الفيدرالي يمثل عاملًا مهمًا للحفاظ على استقرار القطاع المصرفي.

وأكد محللون أن تطبيق الإجراءات المالية لا يعني بالضرورة تبني العراق للتصنيف الأمريكي لحزب الله، موضحين أن هناك فرقًا بين الالتزام بقواعد النظام المالي الدولي وبين اتخاذ قرار سياسي بتصنيف جهة معينة.

وحذر خبراء من أن مخالفة التعليمات الأمريكية قد تعرض المؤسسات المالية العراقية لعقوبات، مستشهدين بإجراءات سابقة فرضت خلالها واشنطن قيودًا على عدد من المصارف العراقية ومنعتها من التعامل بالدولار.

وأكدوا أن وزارة الخزانة الأمريكية ومجلس الاحتياطي الفيدرالي يحدّثان بشكل دوري قوائم العقوبات، بينما تقوم الجهات العراقية بإبلاغ المؤسسات المالية المحلية لتجنب أي تعاملات مع كيانات مدرجة على تلك القوائم.

سابقة تجميد أموال الحوثيين وحزب الله

وأعاد التعميم الحالي إلى الواجهة الجدل الذي حدث في عام 2025، بعد نشر قرار رسمي عراقي بشأن تجميد أموال وموارد اقتصادية تعود لجماعة الحوثيين في اليمن وحزب الله اللبناني، قبل أن تتراجع الحكومة العراقية وتعلن أن إدراج الجماعتين جاء نتيجة "خطأ إداري".

تفاصيل العقوبات الواردة في الوثيقة

وبحسب الوثيقة المتداولة، فإن التعميم استند إلى إشعار صادر عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، تضمن فرض عقوبات على عدد من الأشخاص والكيانات في مناطق مختلفة، بدعوى تسهيل تحويلات مالية مرتبطة بتنظيم داعش، إضافة إلى أفراد وكيانات مرتبطة بحزب الله.

وطلبت وزارة الخارجية العراقية، وفق الوثيقة، من الجهات الحكومية والمصارف والهيئات والشركات التابعة لها الاطلاع على الإجراءات واتخاذ ما يلزم، دون تحديد آليات تنفيذ إضافية.

ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه العراق مواجهة تحديات أمنية وسياسية مرتبطة بملف الفصائل المسلحة، والعلاقة المعقدة بين واشنطن وطهران، وسط مساعٍ حكومية لتعزيز سلطة الدولة والحفاظ على علاقاتها الدولية.

قد يهمك