بث تجريبي

الصحافة الكردية: لا عملية سلام ناجحة في تركيا دون إصلاحات قانونية

قدّمت الصحافة الكردية قراءة مقارنة بين مسار السلام المرتبط بالقضية الكردية وتجارب دولية بارزة، معتبرة أن نجاح أي عملية سلام لا يتوقف على الخطوات الرمزية وحدها، بل يحتاج إلى إصلاحات قانونية ومؤسساتية وضمانات متبادلة تضمن استدامة التسوية.

تجربة جنوب أفريقيا

تستحضر المقارنة تجربة جنوب أفريقيا، حيث قاد نيلسون مانديلا فريق التفاوض التابع للمؤتمر الوطني الأفريقي، قبل أن يصبح أول رئيس أسود للبلاد عقب أول انتخابات ديمقراطية عام 1994.

وترى الصحافة الكردية أن الإفراج عن مانديلا لم يكن مجرد مبادرة إنسانية، بل جاء نتيجة ضغوط دولية متزايدة، وعقوبات اقتصادية، واحتجاجات داخلية، إضافة إلى تراجع قدرة نظام الفصل العنصري على الاستمرار. كما تؤكد أن إطلاق سراح الزعيم وحده لم يكن كافياً، بل استند نجاح العملية إلى وجود حركة اجتماعية منظمة، ودعم دولي، ومفاوضات قائمة على تمثيل متوازن بين الأطراف.

وفي المقابل، تتناول تجربة أيرلندا الشمالية، حيث انتهى صراع استمر قرابة ثلاثة عقود بتوقيع اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998، بعد مفاوضات جمعت الحكومة البريطانية والجناح السياسي للجيش الجمهوري الأيرلندي "شين فين".

وتشير إلى أن الاعتراف بزعيم الحزب جيري آدامز باعتباره طرفاً شرعياً في العملية السياسية شكّل نقطة تحول مهمة، كما مثّل منحه تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة عام 1994 خطوة رمزية عززت مسار التسوية.

وتوضح أن اشتراط نزع السلاح قبل بدء المفاوضات تسبب في تعطيل العملية لسنوات، قبل أن تتخلى حكومة توني بلير عن هذا الشرط، وتحوّل قضية السلاح إلى أحد ملفات التفاوض، الأمر الذي ساهم في تسريع الوصول إلى الاتفاق.

إصلاحات تتجاوز وقف القتال

وتلفت القراءة إلى أن اتفاق الجمعة العظيمة لم يقتصر على إنهاء العمل المسلح، بل تضمن إطلاق سراح السجناء، وتقليص الوجود العسكري البريطاني، والاعتراف بحقوق الحكم الذاتي، قبل أن يحظى بتأييد شعبي واسع عبر استفتاء وافق عليه 71% من الناخبين.

كما تعتبر أن نجاح التجربة ارتبط بإصلاحات مؤسساتية شملت منظومة حقوق الإنسان، والتعليم، والقوانين، ومشاركة المجتمع المدني، بما جعل السلام عملية مستدامة وليست مجرد اتفاق سياسي.

دروس للقضية الكردية

وبحسب الطرح، فإن مشاركة القادة في عمليات السلام تعزز ثقة المجتمعات بنتائجها، معتبرة أن استمرار عزلة الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، الذي يُشار إليه داخل الحركة الكردية بـ"القائد آبو"، يزيد من حالة الشك داخل الأوساط الكردية بشأن مستقبل العملية السياسية.

كما تؤكد أن نزع السلاح لا ينبغي أن يكون خطوة أحادية، بل جزءاً من عملية تفاوض متكاملة تتزامن مع تشريعات وضمانات قانونية وإصلاحات سياسية واضحة.

وترى أن استمرار الدعم الشعبي والدولي يمثل عاملاً أساسياً لإنجاح أي تسوية، مشيرة إلى أن تجربة مانديلا أثبتت أهمية الضغط الدولي والتنظيم المجتمعي في إنجاح مسارات السلام.

إصلاحات قانونية شرط للسلام الدائم

وتؤكد القراءة أن السلام الحقيقي لا يكتمل من دون إصلاحات قانونية ومؤسساتية، مستشهدة بما شهدته أيرلندا الشمالية من إنشاء مؤسسات لحقوق الإنسان، وتعديلات تعليمية، وضمانات قانونية عززت تنفيذ الاتفاق.

وفي السياق الكردي، ترى أن تحقيق سلام دائم يتطلب اتخاذ خطوات تشمل توسيع الحقوق الثقافية، وإتاحة التعليم باللغة الأم، وإزالة القيود القانونية أمام العمل السياسي الديمقراطي، وتعزيز صلاحيات الإدارات المحلية.

مستقبل العملية في تركيا

وتخلص الصحافة الكردية إلى أن نجاح عملية السلام في تركيا سيعتمد على مدى تحول الخطوات الحالية إلى إصلاحات قانونية وسياسية ملموسة، معتبرة أن الحرية الجسدية للزعيم الكردي عبد الله أوجلان تمثل، من وجهة نظرها، مؤشراً رئيسياً على بناء الثقة بين الأطراف.

وتطرح في ختام قراءتها تساؤلات حول ما إذا كان القانون الإطاري الجاري بحثه داخل البرلمان التركي سيتحول إلى ضمانة قانونية شاملة تمهد لدمج مختلف أطراف القضية الكردية في الحياة السياسية، أم أن العملية ستظل محصورة في إجراءات رمزية قد لا تضمن سلاماً دائماً أو تحولاً ديمقراطياً مستداماً.

قد يهمك