أكد الباحث السياسي السوري أحمد شيخو أن الحديث المتكرر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن دفع سوريا للتدخل في لبنان لـ"تأديب حزب الله" يواجه تعقيدات ميدانية واستراتيجية كبيرة، محذراً من أن أي خطوة من هذا النوع قد تدفع المنطقة إلى صراع سني-شيعي واسع النطاق وتفتح الباب أمام تداعيات إقليمية خطيرة.
وأوضح شيخو، في لقاء مع الكاتب الصحفي المصري سيد جبيل عبر منصة "نعرف"، أن الجيش السوري الحالي لا يعمل كقوة عسكرية ذات عقيدة موحدة، بل يتكون من تشكيلات وفصائل متعددة، من بينها الفرقة 84 التي تضم مقاتلين أجانب وتواجه توترات مع الحكومة السورية، إضافة إلى وحدات كانت مرتبطة سابقاً بالنفوذ التركي، الأمر الذي يجعل من الصعب التعامل مع هذه التشكيلات كجيش نظامي منسجم وقادر على تنفيذ عملية عسكرية واسعة خارج الحدود.
لا غطاء سياسي
وأشار إلى أن أي تدخل سوري محتمل في لبنان يفتقر إلى الغطاء السياسي الذي رافق دخول القوات السورية عام 1976 تحت مظلة "قوات الردع العربي"، موضحاً أن الظروف الحالية تختلف تماماً، إذ لا تتوافر شرعية عربية أو دولية لمثل هذا التدخل، كما أنه لا يحظى بموافقة الحكومة اللبنانية.
وفي ما يتعلق بالمواقف الإقليمية، رأى شيخو أن تركيا لا تنظر بإيجابية إلى هذا السيناريو، ليس فقط بسبب حساسياتها المرتبطة بإسرائيل، وإنما أيضاً خشية من إحداث خلل في التوازنات الإقليمية القائمة. وحذر من أن أي تحرك يُنظر إليه على أنه مرتبط بالنفوذ التركي داخل لبنان قد يستدعي رداً إيرانياً قوياً، وربما يفتح الباب أمام تدخل قوى شيعية من العراق، ما قد يحول الساحة اللبنانية إلى "مستنقع" إقليمي معقد.
تحركات عسكرية سورية
وحول التقارير التي تحدثت عن زيادة انتشار القوات السورية قرب الحدود اللبنانية، أوضح شيخو أن هذه التحركات قد تكون مرتبطة بمحاولات ضبط مجموعات أجنبية متمردة أو مكافحة عمليات التهريب، ولا تعني بالضرورة وجود استعدادات عسكرية كافية لإطلاق عملية واسعة داخل الأراضي اللبنانية.
وخلص إلى أن الطرح الذي يتكرر في تصريحات ترامب يبدو أقرب إلى أداة ضغط سياسية وتفاوضية منه إلى خطة عسكرية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن استمرار الضغوط الأمريكية والإسرائيلية قد يدفع بعض الفصائل غير المنضبطة إلى التحرك بصورة منفردة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفجير الوضع الأمني بطريقة تخدم الأهداف الإسرائيلية الرامية إلى إضعاف جميع الأطراف المنخرطة في الصراع.
استراتيجية الفوضى
وفي سياق متصل، قدم شيخو قراءة أوسع لما وصفه بـ"استراتيجية الفوضى" التي قد تتبناها واشنطن وتل أبيب في التعامل مع الملفين السوري واللبناني، معتبراً أن القضية تتجاوز مجرد العقبات الفنية المتعلقة بالتدخل العسكري.
وأكد أن إحدى أبرز الإشكاليات تتمثل في ملف المقاتلين الأجانب داخل الجيش السوري الحالي، مشيراً إلى وجود نحو تسعة آلاف مقاتل أجنبي من جنسيات مختلفة، بينها الأوزبكية والفرنسية وغيرها، ضمن البنية العسكرية القائمة.
وأوضح أن الضغوط الأمريكية التي تربط أي دعم اقتصادي للحكومة السورية بملف نزع سلاح هؤلاء المقاتلين تضع دمشق أمام معضلة حقيقية، لأن إخراجهم من المؤسسات الرسمية قد يحولهم إلى مجموعات متمردة خارجة عن السيطرة أو يدفع بعضهم للانضمام إلى تنظيمات متطرفة مثل "داعش"، وهو ما قد يفتح جبهة جديدة من الفوضى داخل سوريا.
ويرى شيخو أن التلويح بإشراك فصائل ذات خلفيات جهادية سنية في مواجهة حزب الله لا يستهدف بالضرورة تحقيق نصر عسكري لطرف على حساب آخر، بل يندرج ضمن ما وصفه بسيناريو "استنزاف الأطراف" أو "خسارة الجميع"، حيث يتم إشغال حزب الله في حرب استنزاف طويلة من جهة، والتخلص في الوقت ذاته من الفصائل المسلحة المتشددة التي باتت تمثل عبئاً على النظام السوري والمجتمع الدولي من جهة أخرى.
وأضاف أن هذا السيناريو يخدم إسرائيل بالدرجة الأولى، لأنه يجر المنطقة إلى صراع سني-شيعي واسع يستهلك قدرات مختلف الأطراف ويعيد تشكيل أولوياتها الأمنية والسياسية.
بيئة شديدة الحساسية
وفي تقييمه للموقف السوري، اعتبر شيخو أن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع يتحرك في بيئة شديدة الحساسية تشبه "حقل ألغام"، موضحاً أن الرفض العلني لأي تدخل في لبنان يستند إلى إدراك واقعي لصعوبة الحصول على غطاء عربي أو دولي، وإلى حساسية الموقف التركي الرافض لهذا المسار، فضلاً عن عدم الرغبة في الظهور بمظهر الوكيل للعمليات العسكرية الإسرائيلية التي قد تُنفذ تحت غطاء جوي إسرائيلي، وهو ما قد يثير ردود فعل شعبية غاضبة داخل سوريا.
وفي المقابل، أشار إلى أن دمشق لا تملك هامشاً واسعاً لمواجهة الضغوط الأمريكية بصورة مطلقة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وهو ما يفسر، بحسب رأيه، التذبذب في بعض التصريحات والجهود الدبلوماسية المبذولة لاحتواء هذا الملف.
كما حذر شيخو من مخاطر الانفلات الأمني على الحدود السورية اللبنانية، لافتاً إلى أن الطبيعة غير المنضبطة بالكامل لهذه الحدود تسمح بعبور عناصر لا تخضع بشكل مباشر لسلطة وزارة الدفاع السورية.
جس نبض
وأشار إلى أن تكرار الحديث عن دخول مجموعات مسلحة إلى مدينة طرابلس شمال لبنان قد يعكس محاولات فردية أو عمليات "جس نبض" تقوم بها فصائل تسعى للاستفادة من حالة الفوضى بعيداً عن القرار الرسمي للدولة السورية، معتبراً أن ذلك يضع لبنان أمام تهديدات أمنية خطيرة.
وختم شيخو بالقول إن المشروع الذي يطرحه ترامب، رغم ما يبدو عليه من صعوبة أو عدم واقعية، يبقى خطيراً في ظل حالة السيولة الأمنية التي تعيشها المنطقة وغياب جيش سوري ذي عقيدة موحدة، محذراً من أن أي شرارة، سواء جاءت بقرار رسمي أو نتيجة تحرك فصائل منفلتة، قد تتحول إلى صراع إقليمي واسع لا يمكن التنبؤ بمساراته أو بنتائجه النهائية.