بث تجريبي

عصام زكريا يكتب: كأس العالم.. حيث يلتقي الفن والرياضة واللصوص!

أعرف بعض الناس الذين لا يحبون كرة القدم ولا يشاهدونها وربما يكرهون الاستماع إلى صيحات مشجعيها ونقاشاتهم المحتدة، «السخيفة» من وجهة نظر هؤلاء.

ولكن المسائل نسبية، والناس لا تجتمع ولا تتفق على شىء فى العالم مثلما تتفق على حب كرة القدم، خاصة كأس العالم الذى يتجمع فيه صفوة لاعبى الكوكب خلال فترة محددة ليقدموا أفضل ما عندهم، وعادة ما تتجسد فى مبارياته أفضل ما فى الرياضة من تنافسية ومهارات بدنية وإبداعات فردية وجماعية.

ولا أجد وصفاً لهذا العشق الكوكبى لكرة القدم أفضل من عنوان الفيلم الفرنسى الناطق بالإنجليزية United Passions أى «العواطف» أو «المشاعر المتحدة»، حرفياً، بما أن كلمة «شغف» ليس لها جمع، والمعنى يشير إلى حالة الشغف التى تربط عشاق اللعبة من مختلف البلدان والألوان.

الفيلم الذى أخرجه فريدريك أوبرتين وشارك فى بطولته النجم الفرنسى جيرار دى بارديو بجانب الأمريكيين تيم روث وسام نيل، يروى فى قالب شبه توثيقى قصة تأسيس الاتحاد الدولى لكرة القدم المعروف باسم الفيفا مع منتصف العقد الأول من القرن العشرين، على يد الفرنسيين روبير جورين وجول ريميه، وكيف رفضت بريطانيا، التى تعتبر نفسها مخترعة كرة القدم، ومعظم الدول الأخرى، المشاركة فى هذا الاتحاد، ثم تنظيم أول دورة لكأس العالم، التى كادت تفشل لولا وجود رجل سياسة واحد فاهم فى دولة الأورجواى أدرك القيمة الدعائية لمثل هذا الحدث هو إنريك بيرو وقرر أن يرعى الدورة الأولى التى فازت بها أورجواى، ومن ثم بدأت بقية الدول فى الانضمام ليصبح تدريجياً أكبر اتحاد رياضى فى العالم.

ولكن الحقيقة المرة، التى لا يتجاهلها هذا الفيلم البديع، هى أن الفيفا ولد بعيوب خلقية مزمنة، إذ سرعان ما دبت فى أركانه وضمائر القائمين عليه بذور الفساد الشخصى والجمعى، حتى يمكن القول إنه بات واحداً من أفسد المنظمات الرياضية على مر العصور.

ويتتبع الفيلم جهود رئيس الفيفا الثامن سيب بلاتر فى مكافحة الفساد داخل الاتحاد، والدول التى ترعاه، لكى تنظم أو لكى تفوز بالكأس أو حتى لكى تنضم إلى الفرق المشاركة فى فعالياته.. ناهيك عن فساد الإعلانات وما أدراك ما فساد الإعلانات.. حتى بات الفيفا نموذجاً يحتذى لاتحادات كرة القدم المحلية فى كثير من بلاد العالم!!

ولمن يرغب فى الاستزادة، فقد كان فساد الفيفا محوراً للكثير من الأفلام والمسلسلات، ربما من أفضلها المسلسل الوثائقى «الفيفا بدون غطاء»، أو FIFA Uncovered المتاح على منصة نتفليكس منذ 2022، والفيلم الوثائقى «الذين باعوا كأس العالم» The Men Who Sold the World Cup، من إنتاج منصة Apple TV+ وكلاهما يكشف وقائع الرشاوى والاختلاسات داخل الاتحاد الدولى لكرة القدم وعلاقته بسياسيين واقتصاديين وكيانات دولية أخرى، وكذلك الفيلم الوثائقى Kickback، 2022، الذى يتتبع جهود الصحفى أندرو جيننجز على مدار عقود لكشف وإثبات وقائع الفساد داخل الفيفا. ومن الأعمال الدرامية يمكن الرجوع أيضاً إلى مسلسل El Presidente على منصة «أمازون برايم» الذى يركز على وقائع فتح ملفات فساد الفيفا فى 2015.

الاتحاد الذى فقد عقله

رغم حبى للرياضة بشكل عام، وكرة القدم بالتأكيد، فإننى أنزعج شخصياً من التعصب الكروى الأعمى، خاصة المحلى، لكائنى الأهلى والزمالك، اللذين حببا الملايين فى اللعبة، نعم، ولكنهما تسببا أيضاً فى خراب الرياضة بشكل عام فى هذا البلد.. سواء بتغذية نعرات الكراهية «الطائفية العصبية العنصرية الطبقية» التى تخرج من أفواه وصفحات المتعصبين الكرويين، أو بتهميش كل الرياضات الأخرى، حتى التى نحقق فيها، أو يمكن أن نحقق، أعلى المراكز العالمية، والأخطر من ذلك تلك المركزية التى حصرت اللعبة والرياضة كلها فى ناديين وحيدين (وبعض النوادى الصغيرة الصورية) ما ساهم فى تقليص مساحات «الرياضة الشعبية» والتى يمكن أن تستوعب ملايين الأطفال والمراهقين والشباب والكبار فى المحافظات والأحياء.

وبالتأكيد لا يمكن لوم الناديين «الكبيرين» دون أن نشير إلى المنظومة الرياضية الأكبر المتمثلة فى اتحاد اللعبة، إذ لا يمكن لرياضة ما أو للنوادى التى تمارسها أن تخرب أو تفسد إلا إذا رب البيت، الاتحاد نفسه، راقصاً.

ومن العجيب أنه رغم البؤس الذى تعانى منه السينما المصرية فيما يتعلق بمعالجة موضوعات شعبية مهمة مثل كرة القدم، فإن القليل المتاح من هذه الأفلام يكشف بوضوح عن بعض مظاهر خراب اللعبة، ويمكن الرجوع إلى أفلام مثل «4-2-4» أو «الرجل الذى فقد عقله» أو «الزمهلوية» أو «العالمى»، التى تتسم بالتسطيح الشديد، رغم خفة دم الأول، لكى ندرك أن هناك خطأ كبيراً فى المنظومة منذ عقود طويلة، وحتى فى أعمال أفضل فنياً، مثل «غريب فى بيتى» أو «الحريف» يمكن أن نستشف كيف يمكن أن تفسد المواهب بالانحراف، فى الأول، أو بالإهمال، فى الثانى. أما فيما يتعلق بالأعمال الوثائقية فأتذكر فيلماً جميلاً للمخرج الراحل صلاح التهامى من إنتاج الهيئة العامة للاستعلامات 1966، ذهب فيه لتوثيق وقائع مباراة القمة بين الفريقين «العظيمين»، ولم يكن يتوقع أن يتحول إلى فيلم يوثق وقائع المشاجرة العظمى التى نشبت بين جمهورى الفريقين عقب قيام الزمالك بإحراز هدف اعترض عليه لاعبو الأهلى، فى واحدة من المرات الكثيرة التى ألغيت فيها المباريات بين الفريقين!

هل يمكن أن نشاهد قريباً فيلماً عن هذه المباريات الملغاة، أو عن سلبيات الاتحاد والنوادى فى مصر؟ ربما من باب أن كشف السلبيات والنقد الذاتى قد يكون أول خطوة للإصلاح؟

المتعة التى لا يمكن سلبها

هذه المشاعر السلبية التى بت أكنها لكرة القدم المحلية وفساد القائمين عليها لم تستطع أن تأخذ من حبى لكرة القدم نفسها، خاصة الدورى الأوروبى وبالطبع كأس العالم الذى أنتظره كل أربع سنوات وأتفرغ لمشاهدة كل ما أستطيع من مبارياته.

وكلما خطر ببالى بعض ما يدور فى كواليس رياضة كرة القدم، والرياضات الأخرى، من مخالفات وانحرافات وجرائم، هونت الأمر على نفسى بتذكر كلمات أستاذى الأكبر وزميل المهنة (فى لعب الشطرنج ثم الصحافة) الأديب والصحفى الكبير فتحى غانم، الذى أعرب لى أكثر من مرة فى أنه تمنى فى أوقات عدة من حياته لو يتفرغ فقط للعب الشطرنج معتزلاً عالمى الصحافة والسياسة، لأن المنافسة فيها نظيفة. وكان يقصد أن المنافسة على لوحة الشطرنج، أو أرض الملعب، فقط، هى الأكثر نزاهة وعدالة، لأنها تدور وفقاً لقواعد معروفة ومرئية للجميع على عكس ميادين الحياة الأخرى (ومنها الغرف المغلقة لاتحادات ومسئولى هذه الرياضات نفسها) التى تعبق بالمنافسات والممارسات غير الشريفة.

على أرض الملاعب الخضراء البديعة أسرح بالساعات مع تلك الأجساد والعقول التى تعبر عن أفضل وأقوى ما فى الجنس البشرى من قدرة على التفكير المبدع وتسخير المهارات البدنية والوصول بها إلى أعلى ما يمكن للعقل أو الجسد البشرى أن يصل إليه من إنجاز.

الرياضة، مثل الفن، هى أحد أرقى مجالات النشاط البشرى، حتى لو كان كثير ممن يحيطون بهذه المجالات يشبهون الطفيليات الانتهازية التى تتعيش على مص دماء الآخرين.

=====

نقلاً عن جريدة الوطن

قد يهمك