تتجه الأنظار في فرنسا إلى الانتخابات البلدية المقبلة، التي تشمل أكثر من 35 ألف بلدية، حيث تُعد محطة سياسية مفصلية تعكس موازين القوى الاجتماعية والحزبية، وتُنظر إليها بوصفها مؤشرًا مبكرًا لمسار الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، في ظل احتدام المنافسة بين اليمين المتشدد، ويسار يعاني انقسامات داخلية، ووسط يسعى لإثبات تماسكه.
ومن المقرر أن تنطلق العملية الانتخابية خلال نحو خمسين يومًا، على أن تُجرى جولتا الاقتراع يومي 15 و22 مارس، لاختيار مجالس المدن ورؤساء البلديات في مختلف أنحاء البلاد.
وتكتسب هذه الانتخابات أهمية إضافية لأنها تسبق بثلاث سنوات الاستحقاق الرئاسي، الذي قد يعيد تشكيل الخريطة السياسية في فرنسا ويؤثر في موقعها داخل الاتحاد الأوروبي.
ووفق تقديرات أوردتها مجلة “بوليتيكو”، فإن النتائج ستكشف ما إذا كان حزب “التجمع الوطني” اليميني المتشدد قادرًا على تثبيت موقعه كقوة سياسية رئيسية، بعد سنوات من التقدم المتدرج في الانتخابات المحلية والوطنية.
في المقابل، يواجه اليسار اختبارًا صعبًا يتمثل في قدرته على تجاوز خلافاته المزمنة، بينما يحاول التيار الوسطي المرتبط بالرئيس إيمانويل ماكرون وحزب “النهضة” إثبات أنه لا يشهد تراجعًا حادًا أو تفككًا داخليًا.
وسلط التقرير الضوء على أربع مدن تُعد ساحات انتخابية ذات دلالات وطنية، إذ تتركز فيها قضايا مثل الأمن العام، والإسكان، وتغير المناخ، والخدمات الاجتماعية، وهي ملفات يُرجح أن تؤثر بقوة في اتجاهات التصويت.
تُعد مرسيليا، ثاني أكبر مدينة في فرنسا، صورة مصغرة للمشهد الوطني بتنوعها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، إذ تضم أحياء شعبية متعددة الخلفيات، ومناطق للطبقة المتوسطة والعليا، وأحياء طلابية نشطة. ويُنظر إلى احتمال فوز “التجمع الوطني” فيها، إن تحقق، بوصفه مكسبًا تاريخيًا لليمين المتشدد، وقد زارت زعيمة الحزب مارين لوبان المدينة مؤخرًا دعمًا لمرشح حزبها.
وفي مدينة نيم، التي يتجاوز عدد سكانها 150 ألف نسمة، تتقاطع الهوية التاريخية مع المخاوف الأمنية المعاصرة، وهي معروفة بمعلمها الروماني الشهير العائد إلى القرن الثاني الميلادي.
أما في بوردو، فيخوض حزب الخضر اختبارًا حاسمًا لمستقبله المحلي، بعدما تمكن بيير هورميك من الفوز برئاسة البلدية عام 2020 مستفيدًا من موجة بيئية أوصلت الحزب إلى رئاسة ثلاث من أكبر المدن الفرنسية.
وفي ضاحية سان أوين سور سين، شمال باريس، قد تتضح ملامح مستقبل اليسار الفرنسي، إذ تشهد المدينة تحولات اجتماعية متسارعة بفعل مشاريع التطوير الحضري وانتقال سكان من شرائح أكثر ثراءً إليها بحثًا عن سكن أقل كلفة.