في كرة القدم، لا تُحسم المعارك دائمًا بلمسة قدم أو موهبة فردية، فهناك مباريات تُكسب قبل أن تدوس الأحذية العشب الأخضر، حين تبدأ المواجهة داخل العقول أولًا، هذا السيناريو تجسد حرفيًا في ليلة كلاسيكو برشلونة وريال مدريد بجدة، حيث تحوّل نهائي السوبر الإسباني إلى لوحة من الخداع التكتيكي بطلها المراهق لامين يامال.
بينما كان تشابي ألونسو ولاعبو ريال مدريد يتهيأون لمواجهة برشلونة يبدو مرهقًا ومثقلًا بالغيابات، كان يامال يرسم في الخفاء فخًا ذهنيًا محكمًا، اعتمد على ثلاث مراحل مدروسة من التضليل، انتهت بصفعة فنية أيقظت مدريد على واقع خسارة اللقب بطريقة صادمة.
بدأ السيناريو قبل أيام من صافرة البداية، حين تسربت معلومات عن معاناة لامين يامال من فيروس معوي، مع حديث متزايد عن عدم جاهزيته البدنية واحتمال غيابه أو مشاركته لدقائق محدودة فقط. لم يكن هذا التسريب مجرد خبر صحي عابر، بل كان طُعمًا استراتيجيًا ابتلعه معسكر ريال مدريد دون تردد.
دخل لاعبو الملكي اللقاء وهم يحملون في أعماقهم شعورًا خفيًا بالأمان؛ فالسلاح الأخطر في برشلونة مريض، ولن يكون بكامل طاقته. هذا الاطمئنان الذهني، حتى وإن كان عابرًا، كان كافيًا لخلق لحظة تراخٍ قاتلة، واعتقدوا أنهم سيواجهون لاعبًا مُنهكًا، فإذا بهم يصطدمون بمقاتل متأهب للانقضاض، ما جعل ردود أفعالهم أبطأ في لحظات مفصلية من المباراة.
استفاد يامال من دروس الماضي، وتحديدًا من الكلاسيكو السابق، حين أغرق المشهد بتصريحات نارية واستفزازات مباشرة أشعلت حماسة ريال مدريد، فجاء الرد قاسيًا داخل المستطيل الأخضر. هذه المرة، اختار طريقًا معاكسًا تمامًا.
واختفى يامال عن المشهد الإعلامي بشكل كامل، لا تصريحات، لا وعود، لا شعارات من نوع “كش ملك”، هذا الصمت الغامض كان أكثر إزعاجًا من أي استفزاز علني؛ إذ وضع ضغطًا نفسيًا متزايدًا على لاعبي ريال مدريد، الذين بدأوا يتساءلون في صمت: ماذا يُخطط هذا الفتى؟
بهذا الأسلوب، انتقل العبء النفسي من كتفي يامال إلى عقول خصومه، الذين افتقدوا الوقود التحفيزي المعتاد الناتج عن التصريحات النارية، ليجدوا أنفسهم في مواجهة خصم غامض لا يمكن التنبؤ بردود فعله.
مع انطلاق المباراة، انهار كل ما بُني من توقعات. المدافعون الذين انتظروا لاعبًا متألمًا، يلمس بطنه أو يطلب التبديل مبكرًا، وجدوا أمامهم لاعبًا يفيض حيوية، لا يتوقف عن الركض والضغط في كل زاوية من الملعب.
ظهر يامال بلياقة كاملة، يتحرك بلا هوادة، يراوغ، يضغط، ويقاتل على كل كرة. ورغم ارتكابه بعض الأخطاء في الاختيارات الفردية، فإن لغة الأرقام جاءت صادمة لمعسكر مدريد: 46 تمريرة ناجحة، محاولات مراوغة مستمرة، والتحامات بدنية قوية كشفت حجم جاهزيته.
هذه المفاجأة البدنية أربكت حسابات تشابي ألونسو تمامًا؛ فخطة التعامل مع لاعب غير مكتمل الجاهزية تحولت إلى عبء تكتيكي، لأن من يركض أمامهم لم يكن الشخص ذاته الذي أعدوا له الخطة.
لم تكن الضربة القاضية هدفًا مباشرًا سجله لامين يامال، بل الفوضى التكتيكية التي أحدثها وجوده المتعافي داخل الملعب. التركيز المبالغ فيه من دفاع ريال مدريد، خاصة من كاريراس، مع عودة رودريغو المستمرة للمساندة الدفاعية، فتح مساحات قاتلة في العمق وعلى الأطراف الأخرى.
نجح يامال في سحب أنظار الدفاع الأبيض بالكامل نحوه، مستغلًا صدمتهم من جاهزيته غير المتوقعة، ليؤدي دور الطُعم المثالي. انشغلوا بمراقبة “المريض الوهمي”، فتركوا المساحات مفتوحة أمام ليفاندوفسكي ورافينيا لتوجيه الضربات الحقيقية وحسم اللقب.
هكذا، وبسيناريو لا يكتبه إلا الكبار، أثبت لامين يامال أن فيروس الذكاء الكروي أخطر بكثير من أي فيروس معوي، وأن هذه المباراة حُسمت في رأسه قبل أن تُلعب على أرض الملعب.