دعت الفيدرالية السورية لحقوق الإنسان إلى ضمان حق جميع المكونات والقوميات في سوريا في تعلم لغاتها الأم والتعليم بها، مطالبة بتثبيت هذا الحق ضمن إطار دستوري وتشريعي واضح يحمي التنوع اللغوي والثقافي في البلاد.
وأكدت الهيئة الإدارية للفيدرالية السورية لمنظمات وهيئات حقوق الإنسان، في تقرير حقوقي أصدرته اليوم بشأن الحق في التعليم باللغة الأم، أن التعليم والهوية والثقافة واللغة تمثل حقوقًا أساسية كرسها القانون الدولي لحقوق الإنسان، وشددت على ضرورة ضمانها لجميع الأفراد على أساس المساواة وعدم التمييز.
وأشارت الفيدرالية إلى أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلى جانب اتفاقية حقوق الطفل، تتضمن مبادئ تؤكد الحق في التعليم وحظر التمييز على أساس اللغة، فضلًا عن حماية حق الأقليات اللغوية في استخدام لغاتها والحفاظ على ثقافاتها.
ولفتت إلى أن إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية يمنح أهمية خاصة للحقوق اللغوية والتعليمية، إذ يقر حق الشعوب الأصلية في إحياء لغاتها واستخدامها وتطويرها ونقلها إلى الأجيال المقبلة، إلى جانب حقها في إنشاء نظم ومؤسسات تعليمية توفر التعليم بلغاتها وثقافاتها.
وأكدت الفيدرالية أن حماية التنوع اللغوي والثقافي تكتسب أهمية خاصة في سوريا، بالنظر إلى تعدد مكوناتها القومية والثقافية واللغوية، مشددة على ضرورة ضمان حقوق جميع المكونات، ومن بينها الكرد والسريان والآشوريون والأرمن والشراكس وغيرهم، في الحفاظ على لغاتهم وثقافاتهم وتعليمها ونقلها إلى الأجيال المقبلة دون تمييز أو إقصاء.
وأوضحت أن التعليم باللغة الأم لا يمثل امتيازًا لمكوّن بعينه، وإنما يعد جزءًا من الحق في التعليم والهوية والثقافة، مشيرة إلى أن حرمان الأطفال من تعلم لغاتهم أو إقصاء تلك اللغات من المجال التعليمي قد يؤثر في استمرارية اللغة وانتقالها بين الأجيال.
اللغة الرسمية واللغات الوطنية
شددت الفيدرالية على ضرورة التمييز بين اللغة الرسمية للدولة واللغات الوطنية ولغات المكونات المختلفة، موضحة أن اعتماد لغة رسمية لتنظيم عمل مؤسسات الدولة لا يعني، من الناحية القانونية، إقصاء اللغات الأخرى من التعليم أو الثقافة والحياة المجتمعية.
وأشارت إلى أن الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 نص على أن العربية هي اللغة الرسمية للدولة، بالتوازي مع النص على التزام الدولة بضمان التنوع الثقافي للمجتمع السوري والحقوق الثقافية واللغوية لجميع السوريين.
وأضافت أن المرسوم رقم 13 لعام 2026 اعتبر اللغة الكردية لغة وطنية، وسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة بالمناطق التي يشكل فيها المواطنون الكرد نسبة ملحوظة من السكان، كما نص على حماية التنوع الثقافي واللغوي وضمان حق المواطنين الكرد في تطوير لغتهم الأم.
وذكرت أن التعليمات التنفيذية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم، والتي عُدلت في أغسطس 2026، أتاحت دراسة اللغة الكردية بوصفها لغة وطنية في المدارس الحكومية والخاصة وفي مختلف المراحل الدراسية ضمن المناهج المعتمدة.
وأكدت الفيدرالية أن الاعتراف بالعربية لغة رسمية لا يتعارض، من حيث المبدأ، مع الاعتراف بلغات وطنية أخرى وحمايتها وتعليمها، داعية إلى بناء إطار قانوني يضمن التعايش بين اللغة الرسمية للدولة واللغات الوطنية ولغات المكونات الثقافية واللغوية.
دعوة إلى إطار دستوري وتشريعي
طالبت الفيدرالية السورية لحقوق الإنسان بتطوير إطار تشريعي ودستوري واضح لحماية التنوع اللغوي والثقافي، وتحديد المركز القانوني للغة الرسمية واللغات الوطنية ولغات المكونات المختلفة، بما يضمن استمرارية هذه الحقوق وعدم ربطها بقرارات إدارية مؤقتة.
كما دعت إلى إتاحة التعليم باللغات الوطنية ولغات المكونات اللغوية، إلى جانب تدريسها بوصفها مواد دراسية، متى توافرت الشروط التعليمية والمؤسسية اللازمة، والعمل على تطوير المناهج والكتب والمواد التعليمية وتأهيل الكوادر اللازمة لمختلف المراحل التعليمية.
وشددت على ضرورة عدم تراجع السياسات التعليمية عن الحقوق اللغوية المكتسبة، ومراجعة التشريعات والممارسات التي قد تنطوي على تمييز أو إقصاء على أساس اللغة أو الانتماء القومي والثقافي.
ودعت كذلك إلى إنشاء آليات مؤسسية لمتابعة حماية الحقوق اللغوية والثقافية وتنفيذها، وضمان أن يتضمن الإطار الدستوري والتشريعي السوري المستقبلي حماية صريحة للتنوع اللغوي والثقافي، بما يحقق التوازن بين وحدة الدولة ولغتها الرسمية وحقوق مكوناتها المختلفة.
وأكدت الفيدرالية أن حماية اللغات الوطنية ولغات المكونات لا تمثل انتقاصًا من مكانة اللغة العربية بوصفها اللغة الرسمية للدولة، وإنما تأتي، بحسب التقرير، في إطار مبادئ المساواة وعدم التمييز وحماية الهوية والثقافة والحق في التعليم.
واختتمت الفيدرالية تقريرها بالتأكيد على أن حماية اللغة الأم تمثل جزءًا من حماية الهوية والثقافة والحق في التعليم، معتبرة أن احترام التنوع اللغوي والثقافي يمكن أن يسهم في تعزيز الانتماء المشترك والتعددية الثقافية في المجتمع السوري.
فضاءات الفكر