في 13 أيلول 2026 أعلنت وزارة الطاقة السورية في منتصف الليل زيادة في أسعار المحروقات: المازوت بنسبة 40 بالمئة من 125 ليرة سورية إلى 175 ليرة سورية، والبنزين من 145 ليرة سورية إلى 186 ليرة سورية. ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي للمرة الثانية خلال 30 يوما من 1470 ليرة سورية إلى 1600 ليرة سورية.
في صباح 13 أيلول بدأت الاحتجاجات في 8 مدن. في القامشلي أغلقت الجرارات الطرق، في حلب أغلقت الأفران أبوابها، في دمشق أوقف سائقو التكسي سياراتهم، وفي دير الزور والرقة قطع الأهالي الطرق الرئيسية. وفي بيان ثان صدر في نفس اليوم بررت الوزارة الزيادات بـ إصلاح خط أنابيب بانياس [خط النفط الخام المتجه إلى مصفاة بانياس وأعمال الصيانة داخل المصفاة] وارتفاع تكاليف الإمداد العالمية.
لكن الشعب الذي يتحمل العبء الثقيل للأزمة الاقتصادية لم يصدق هذا التبرير. الوعي المجتمعي واضح: حتى لو انتهى إصلاح خط بانياس [خط المصفاة] فلن تتراجع الزيادة. لأن الأزمة ليست أزمة صيانة فنية، بل انهيار اقتصاد الإنتاج وغياب مشروع بديل للخروج من الأزمة. لذلك فالاحتجاجات ليست احتجاجا على السعر فقط، بل احتجاج على النموذج.
إرث البعث: لماذا كان النموذج الاستبدالي للاستيراد تحت سيطرة الدولة.
لم يكن سيطرة الدولة على الطاقة في عهد البعث صدفة. كانت السياسة الاقتصادية للنظام هي نموذج إحلال الواردات [Import Substitution - إقامة مصانع في الداخل والإنتاج في الداخل بدلا من استيراد السلع من الخارج] والنموذج الحمائي [Protectionist Model - حماية الصناعة المحلية بجدران جمركية عالية].
وكانت الشركة السورية للنفط SPC [Syrian Petroleum Company - شركة النفط الحكومية] التي تأسست عام 1968 وشركتها الفرعية JOC [Jazira Oil Company - شركة نفط الجزيرة - الشركة التابعة الحكومية التي تشغل حقول الحسكة] أداة هذا النموذج. كانت الدولة تستخرج النفط بـ 12 دولارا وتبيعه للمصنع بـ 25 دولارا، وتتحمل الخسارة لتؤسس صناعة النسيج في حلب والإسمنت في حمص.
لكن هذه السياسة الاقتصادية الدولتية، النموذج الحمائي أو الاستبدالي للاستيراد، كانت تكبر القوة الاقتصادية للدولة بينما تفقر المجتمع.
كانت الآلية كالتالي: الدولة تحمي المصنع من المنافسة الخارجية لكن العامل يتقاضى أجرا منخفضا، والفلاح مجبر على بيع محصوله للدولة بسعر أساس منخفض، والشعب مجبر على شراء سلع رديئة بسعر مرتفع. وصلت الرسوم الجمركية إلى 200 بالمئة. في عام 2010 كان الحد الأدنى للأجور 150 دولارا بينما كان سعر كيلو اللحم 15 دولارا. وبينما كانت الدولة تكبر كان المجتمع يتحمل العبء الثقيل لهذا النموذج. وانعكست الأزمة في الحياة اليومية على شكل ندرة ورداءة.
أي أن نموذج الدولة الاستبدالي للاستيراد كان هو الآخر نموذجا منتجا للأزمات.
نموذج الحكومة المؤقتة غير المعلن: ما وراء الليبرالية والاندماج في الرأسمال العالمي هو الخضوع غير المشروط لهيمنة الرأسمال العالمي
ما الذي جاء بعد البعث؟ جاءت الليبرالية. الليبرالية هنا ليست مفهوما مجردا، بل هي تبعية الثروات لإمبراطورية رأس المال الكبير. وهي تتولى مهمة إلغاء هيمنة الدولة القومية على الاقتصاد ودمجها في الرأسمال العالمي.
في 29 كانون الثاني 2026 تم توقيع اتفاقية اندماج من 14 مادة بين قوات سوريا الديمقراطية SDG [قوات سوريا الديمقراطية] ودمشق، وتم نقل 7 حقول نفطية [رميلان والسويدية وكراشوك وحمزة وصازابا وعليان وليلى]. لكن النقل لم يتم إلى SPC [شركة النفط الحكومية] بل إلى الشراكة الأمريكية الخليجية:
في نيسان 2026 دخل حيز التنفيذ اتفاق تقاسم الإنتاج PSA [Production Sharing Agreement - اتفاقية تقاسم الإنتاج - نموذج تقاسم النفط المستخرج بين الدولة والشركة] لمدة 25 عاما بين SPC وشركة HKN Energy الأمريكية [HKN Energy - شركة نفط خاصة مقرها الولايات المتحدة]. HKN شريكة مع شركة UCC Holding القطرية [UrbaCon Contracting - تابعة لـ Power International Holding، وراءها صناديق قطرية وكويتية].
في حزيران 2026 تم توقيع اتفاق غاز بين SPC وشركة ConocoPhillips [من أكبر شركات النفط والغاز المستقلة في الولايات المتحدة] وشركة Novaterra [Novaterra Energy - شركة طاقة مقرها الولايات المتحدة]. بدأت العملية كمذكرة تفاهم MoU [Memorandum of Understanding - مذكرة تفاهم] في تشرين الثاني 2025 ثم تحولت إلى اتفاق نهائي.
في أيار 2026 وقعت TotalEnergies [عملاق الطاقة الفرنسي] و QatarEnergy [شركة النفط الحكومية القطرية] و ConocoPhillips اتفاق دراسة فنية للبلوك 3 قبالة ساحل اللاذقية.
النتيجة تحول بنيوي: البئر باسم سوريا على الورق، والصمام في هيوستن والدوحة. في السابق كان المجتمع يتحمل عبء تراكم الدولة، والآن يتحمل عبء تراكم الرأسمال العالمي. كلا النموذجين هوس لعقل منتج للأزمات. أحدهما كبر الدولة وأفقر المجتمع، والآخر يكبر رأس المال ويصفي ثروات الشعب. إذا لم نحلل بشكل صحيح سنقع في دورة النظام الرأسمالي العالمي المنتجة للأزمات.
الأسباب الخمسة الملموسة للأزمة
*السبب الأول: دولرة التكلفة*
في عهد البعث كانت SPC [شركة النفط الحكومية] تستخرج التكلفة بالليرة. في نموذج PSA [اتفاقية التقاسم] الجديد تستخرج HKN Energy [الشركة الأمريكية] التكلفة بالدولار. ارتفعت تكلفة البرميل من 12 دولارا إلى 28 دولارا. 28 دولارا زائد 20 بالمئة ربح يساوي 33.6 دولارا. ومع سعر برنت 108 دولارات لا تستطيع الدولة دعم الفارق وتعكسه كزيادة.
السبب الثاني: مفارقة وجود النفط الخام وغياب المازوت.
الاحتياج اليومي 300 ألف برميل مكافئ، والإنتاج المحلي 100 ألف برميل. مصفاة بانياس [المصفاة الرئيسية بسعة 80 ألف برميل] دخلت الصيانة وإنتاجها صفر. مصفاة حمص [مصفاة بسعة 100 ألف برميل] تعمل بـ 50 ألف برميل. إجمالي الإنتاج 50 ألف برميل، والفجوة 250 ألف برميل تستورد. طن المازوت المستورد 850 دولارا، وسعر اللتر مع الضريبة والنقل 175 ليرة سورية. حتى لو انتهت صيانة بانياس ستبقى السعة 80 ألف برميل ولن ينخفض السعر.
السبب الثالث: غياب البرنامج الاقتصادي للحكومة المؤقتة.
لا توجد ميزانية 2026، ولا سياسة سعر صرف. السعر الرسمي 13 ألف ليرة سورية، والسوق السوداء 15 ألف ليرة سورية. مصير الدعم [الدعم الحكومي] غامض، ونسبة الضريبة على المحروقات غامضة. وبدون برنامج تفرض كل مؤسسة زيادة منفصلة.
السبب الرابع: انهيار اقتصاد الإنتاج.
يحتاج الدونم الواحد من القمح إلى 20 لتر مازوت. عندما كان المازوت 125 ليرة سورية كانت التكلفة 2500 ليرة سورية، وعندما أصبح 175 ليرة سورية أصبحت 3500 ليرة سورية. السعر الأساس للقمح 4000 ليرة سورية. الفلاح لا يزرع. ويحتاج معمل النسيج إلى 0.5 لتر مازوت لإنتاج متر واحد من القماش بسبب المولد [المولد الكهربائي]. عندما يرتفع المازوت يغلق المعمل. الزيادة والتضخم لا يوقفان الاستهلاك فقط بل يوقفان الإنتاج.
السبب الخامس: عدم ذهاب الإيراد إلى الدولة.
في النموذج القديم كانت 100 برميل تدخل خزينة الدولة. في نموذج PSA [اتفاقية التقاسم] الجديد يذهب 40 برميلا كنفط تكلفة و30 برميلا كنفط ربح إلى HKN [الشركة الأمريكية] ويبقى 30 برميلا للدولة. 30 برميلا لا تلبي احتياج 300 ألف برميل، وفاتورة الاستيراد اليومية 25.2 مليون دولار.
نموذج دير الزور: تزامن أزمة الزيادة وأزمة الأجور.
تظهر أبعاد الأزمة في دير الزور. حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان تجمع عمال النفط قرب دوار العتال قرب مدخل حقل العمر في الذيبان وأغلقوا الطريق الرئيسي المؤدي للحقل وأحرقوا الإطارات ومنعوا مرور آليات الحقل.
يقول العمال إنهم لم يتقاضوا رواتبهم ومستحقاتهم منذ 8 أشهر. المشكلة ليست جديدة. في أيار صرح مهندسون وفنيون يعملون في حقلي العمر والتنك أنهم لم يتقاضوا رواتب منتظمة بعد استلام الحكومة الانتقالية للحقول. وكانت الشركة السورية للنفط SPC [شركة النفط الحكومية] قد دفعت 100 دولار للفرد بداية 2026 ثم توقفت المدفوعات.
بدأ التحرك في 15 أيلول وتزامن مع زيادات 13 أيلول. في نفس المنطقة يحتج الأهالي على زيادة المحروقات بينما يحتج العمال على عدم دفع الأجور. في محيط الشحيل والعزبة في دير الزور أغلق المتظاهرون الطرق المؤدية لحقل العمر وأوقفوا الصهاريج.
هذا يظهر وجهي الأزمة: النفط موجود في الحقل لكن العامل لا يقبض راتبه، والمازوت غير موجود في المصفاة لكن الشعب مجبر على شراء المازوت المسعر بزيادة. الحد الأدنى للأجور 12 ألفا و560 ليرة سورية، أي أن راتب شهر كامل يشتري 64 لتر بنزين فقط.
ووصفت رويترز موجة الاحتجاجات بأنها أوسع موجة احتجاجات تشهدها سوريا منذ سقوط نظام الأسد.
الخلاصة: أزمة النماذج
تقول الوزارة إن الوضع سيتحسن بعد إصلاح خط أنابيب بانياس [خط المصفاة]. لن يتحسن. الإصلاح يوفر 6 دولارات للبرميل، أي 3 إلى 4 ليرات سوريات للتر. المازوت الذي سعره 175 ليرة سورية سيصبح 171 ليرة سورية. زيادة 40 بالمئة دائمة.
مشكلة سوريا ليست خط الأنابيب، بل انحصارها بين نموذجين منتجين للأزمات. النموذج الحمائي للبعث كبر الدولة وأفقر المجتمع، والنموذج الليبرالي الحالي يكبر الرأسمال العالمي ويصفي الثروات الوطنية واقتصاد الإنتاج.
لذلك فالخروج من الأزمة ليس عودة إلى نموذج إحلال الواردات ولا ليبرالية كاملة. الخروج هو في نموذج لا يبقي الطاقة لا في احتكار الدولة ولا في احتكار HKN و Conoco، بل ينظمها من أجل القوة الإنتاجية للمجتمع. لهذا فالاحتجاجات ليست احتجاجا على الزيادة فقط، بل احتجاج على النموذج.