بث تجريبي

أحمد شيخو يكتب : سوريا في المرحلة الانتقالية... بين الشراكة الوطنية والأحادية السلطوية

تمر سوريا اليوم بمرحلة انتقالية حاسمة، تتصارع فيها سلطة الأمر الواقع التي تصف نفسها بـ«الحكومة السورية» مع الشعب السوري بمختلف مكوّناته الإثنية والدينية. لفهم هذا التصعيد الدموي ومآلات البلاد في ظل المشهد الإقليمي الجاري تشكيله، لا بد من قراءة المرحلة الحالية بعين تحليلية، بعيدًا عن الانفعالات والشعارات، لأنها لحظة مفصلية لتحديد شكل الدولة وطبيعة الحكم ومستقبل الشراكة الوطنية.

من البداية، يجب أن ندرك أن سلطة الأمر الواقع ليست سلطة وطنية جامعة، بل أقلية سياسية ضيقة لا تمثل إرادة السوريين، ولا حتى قطاع السنة من الشعب السوري. تشكّلت هذه السلطة على أساس موازين قوى عسكرية مدعومة خارجيًا، وتخضع عمليًا لإدارة تركيا وتوافق إسرائيل وقوى دولية معروفة. لم تنشأ عن توافق سياسي سوري أو عملية انتخابية حقيقية، بل عن إرادة دولية لإعادة ترتيب سوريا بما يخدم مصالح محددة. وقد انعكس هذا على خضوع القرار السياسي والعسكري للمتطلبات الخارجية، والتخلّي عن حماية مناطق الجنوب والشمال الغربي، مع توجيه القوة العسكرية نحو الداخل السوري ضد المدنيين، بدل الدفاع عن وحدة البلاد وسيادتها أمام التهديدات الخارجية.

التغيّر في السلطة: انتقال سياسي أم استبدال قسري؟

لا يمكن الحديث عن انتقال سياسي حقيقي دون تغيير جذري في بنية الحكم وآلياته ومرجعيته الفكرية. ما جرى في سوريا لم يكن انتقالًا متكامل الأركان، بل استبدالًا قسريًا للسلطة، دون إعادة تأسيس الشرعية أو تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. سلطة الأمر الواقع الحالية تعتمد على فرض الأمر الواقع بالقوة، وتستند إلى دعم خارجي وتوازنات إقليمية، ما يحرمها من الشرعية الشعبية والقانونية.

تجلى هذا الارتباط بالخارج بشكل واضح في التماهي مع الإدارة التركية في الشمال والشمال الغربي، والغضّ عما فرضته إسرائيل في الجنوب، والتعامل مع فقدان السيطرة على هذه المناطق كأمر واقع مقبول. وفي المقابل، توجه هذه القوة العسكرية إلى الداخل السوري، مستهدفة المدنيين، بدل حماية سيادة الدولة ووحدة أراضيها.

عقلية السلطة وأيديولوجيتها: عائق أمام بناء الدولة

الإشكالية الجوهرية لا تكمن فقط في ممارسات سلطة أمر الواقع، بل في العقلية والأيديولوجيا التي تحكم هذه الممارسات. تعتمد السلطة على مرجعيات سلفية جهادية، لا تؤمن بالدولة الحديثة، ولا بمفهوم المواطنة المتساوية، ولا بالتعددية السياسية والقومية والدينية. هذه العقلية ترى في الدولة أداة للسيطرة، وفي المجتمع تهديدًا يجب إخضاعه، وهو ما يجعل الشراكة الوطنية شبه مستحيلة.

تتقاطع هذه الأيديولوجيا وظيفيًا مع مصالح القوى الخارجية، ما يجعل السلطة أكثر استعدادًا للتماهي مع متطلبات الخارج من كونها ممثلة لمصالح السوريين، وهو ما يظهر جليًا في خرق اتفاق 10 آذار (مارس) مع قوات سوريا الديمقراطية، الذي يفترض أن يكون أساسًا لبناء سوريا لكل السوريين.

جيش بلا عقيدة وطنية

المؤسسات العسكرية والأمنية للسلطة تضم عددًا كبيرًا من الفصائل والمقاتلين الأجانب المتطرفين، الذين أصبحوا جزءًا من الجيش والداخلية، ما يشكل تهديدًا مباشرًا للسلم الأهلي ووحدة المجتمع. وقد أكدت الأحداث في الساحل، والسويداء، وحلب خطورة هؤلاء العناصر، التي توجه قوتها ضد المدنيين السوريين بدل الدفاع عن الأرض والسيادة.

هذا الوضع يحوّل الجيش من مؤسسة سيادية إلى أداة قمع داخلي، ويُفرغه من أي مضمون وطني، ويخالف مبدأ أن تكون الدولة هي الحاملة الوحيدة للسلاح، وهو أحد أعمدة بناء الدولة الحديثة، لأن الجيش الحالي عبارة عن مجاميع فصائلية متعددة الولاءات وخاصة للدول الإقليمية وليس لسوريا وشعبها إضافة لوجود عناصر من داعش والقاعدة ضمن هذا الجيش وهو ما أكدته حادثة تدمر.

العنف ضد المدنيين: سياسة ممنهجة

لم تكن الانتهاكات في حلب حادثة معزولة، بل جاءت في سياق نهج ممنهج سبق أن تجلّى في الساحل والسويداء، حيث استخدم العنف المفرط ضد المدنيين، واستُهدف سكان بأكملهم عبر عمليات قتل جماعي وتشريد، ما يعكس عقلية سلطة أمر الواقع القائمة على الإقصاء والقمع بدل بناء الدولة والشراكة الوطنية.

التنوع السوري بين مشروع الدولة ومنطق الإقصاء

يشكل التنوع الإثني والديني والثقافي أحد أبرز عناصر غنى سوريا التاريخي. لكن سلطة أمر الواقع تعامل هذا التنوع بمنطق أمني - عقائدي، يهدف إلى إخضاع المكوّنات بالقوة أو سحقها، لا الاعتراف بها ضمن إطار وطني جامع. رفض الاعتراف بالحقوق القومية والسياسية للكرد، وتهميش مكوّنات أخرى، وغياب التمثيل الحقيقي، كلها مؤشرات على أن السلطة لا تسعى لبناء دولة، بل لإدارة مناطق وسكان وفق توازنات الخارج.

الشرعية الغائبة وسؤال الدولة

الشرعية لا تُستمد من القوة أو الدعم الخارجي أو الخطاب الديني الأحادي، بل من إرادة الناس والقانون والمؤسسات التمثيلية المستقلة. وفي ظل غياب الانتخابات الحرة، واستمرار القمع، وخرق الاتفاقات، والخضوع للإرادات الخارجية، تعيش سلطة أمر الواقع أزمة شرعية عميقة. سلطة بلا سيادة وطنية وبلا شرعية شعبية لا يمكنها بناء دولة، بل تؤسس لنظام تابع يعيد إنتاج الاستبداد ويحوّل البلاد إلى ساحة صراع مفتوحة.

استحقاقات المرحلة الانتقالية وطرق الحل

لكي تتحوّل المرحلة الانتقالية إلى فرصة حقيقية لبناء دولة وطنية ديمقراطية، يجب التركيز على استحقاقات عملية متكاملة تمثل أيضًا طرق الحل لتحقيق الاستقرار وسيادة الدولة. ويشمل ذلك تنفيذ اتفاق 10 آذار بالكامل كإطار لبناء سوريا لكل السوريين، مع تشكيل جيش وطني موحّد يحمي الدولة والشعب ويستبعد المقاتلين الأجانب والمتطرفين، وإخراج جميع العناصر المتطرفة والإرهابية من الجيش والأمن لضمان أن تصبح المؤسسات العسكرية أداة حماية للوطن لا أداة قمع داخلي.

كما يتطلب الأمر عقد مؤتمر وطني شامل لجميع المكوّنات لصياغة عقد اجتماعي جديد يعبر عن إرادة السوريين ويحمي الحقوق السياسية والقومية لكل المكونات، ويضع أسس الشراكة الوطنية الفعلية. ويجب اعتماد نظام اللامركزية لتعزيز المشاركة المحلية وتقليل هيمنة الأقلوية السياسية السلفية على القرار، مع إعادة تأسيس الشرعية الوطنية عبر انتخابات حرة ونزيهة تمثل جميع السوريين، وتؤكد سيادة الشعب على الدولة.

إلى جانب ذلك، يتوجب استعادة السيادة الوطنية الكاملة ورفض أن تتحوّل سوريا إلى مناطق نفوذ خارجية، بالإضافة إلى تحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات بحق المدنيين، ما يعزز الثقة بين الشعب والدولة ويؤسس لمؤسسات مستقرة قائمة على القانون. إن هذه الاستحقاقات وطرق الحل تمثل خارطة طريق متكاملة لتحويل المرحلة الانتقالية إلى مسار بناء الدولة الوطنية، يجمع بين الاتفاقات السياسية، الجيش الوطني، اللا مركزية، العقد الاجتماعي الجديد، الانتخابات الحرة، والشراكة الوطنية.

خاتمة

ما تعيشه سوريا اليوم ليس مجرد أزمة انتقالية، بل صراع عميق على طبيعة الدولة ومعنى السيادة. لا يمكن بناء دولة وطنية ديمقراطية بعقلية سلطة أمر الواقع المرتهنة للخارج، التي تمثل أقلوية سياسية ضيقة ولا تعكس إرادة السوريين، ولا حتى قطاع السنة من الشعب السوري، وتخضع عمليًا لتركيا وإسرائيل وقوى دولية معروفة. هذه السلطة تتخلى عن الأرض والسيادة وتوجّه سلاحها ضد شعبها، ما يحوّل الجيش والأمن من أدوات حماية للدولة إلى أدوات قمع داخلي ويزيد التوتر والانقسام داخل المجتمع السوري.

تحقيق انتقال حقيقي ومستقر يتطلب أن تصبح المرحلة الحالية مسارًا وطنيًا مستقلًا يرتكز على إرادة السوريين في بناء دولتهم على أساس الشراكة والعدالة والمواطنة المتساوية، مع احترام التنوع الثقافي والديني والإثني، وضمان مؤسسات مستقرة وقانونية. إذا لم يتم ذلك، فإن المرحلة الانتقالية ستظل مجرد إعادة إنتاج للاستبداد والتبعية، بنفس النتائج الكارثية التي شهدتها البلاد في الماضي، وسيستمر العنف والانقسام، ويظل حلم بناء دولة وطنية جامعة لكل السوريين بعيد المنال.


بقلم: أحمد شيخو
" كاتب وباحث سياسي"

قد يهمك