شهد المشهد السوري في الآونة الأخيرة تصعيدًا لافتًا لم يقتصر على الجبهات العسكرية، بل تمدّد بقوة إلى ساحات “الحروب الناعمة” ومنصات التضليل الإعلامي. وفي هذا السياق، برز دور قنوات إقليمية معروفة، وفي مقدمتها “العربية” و”الحدث”، عبر تبنّي سرديات أحادية تفتقر إلى الحد الأدنى من المهنية الصحفية، وتستهدف بصورة مباشرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، من خلال اتهامات تتجاوز الخلاف السياسي لتصل إلى مستوى الشراكة غير المباشرة في سفك الدماء وشرعنة الإرهاب.
تعتمد هذه المنصات، بشكل ممنهج، على قلب الحقائق واتباع استراتيجية “شيطنة الضحية”، عبر الترويج لادعاءات تزعم استخدام المدنيين كدروع بشرية أو ممارسة الترهيب بحقهم. وهي روايات تتناقض بصورة صارخة مع الوقائع الميدانية والسجل التاريخي، إذ لا يمكن إنكار أن هذه القوات قدّمت آلاف الضحايا في معارك حاسمة ضد تنظيم “داعش”، وأسهمت في إنهاء تهديد عالمي حقيقي طال المنطقة والعالم.
إن اتهام القوى التي حرّرت الرقة والباغوز بترهيب المدنيين لا يمكن قراءته إلا بوصفه محاولة متعمدة لخلط الأوراق، تستهدف تقويض الحاضنة الشعبية لقوات سوريا الديمقراطية، والنيل من شرعيتها الدولية بوصفها قوة منظمة لعبت دورًا محوريًا في حفظ الاستقرار النسبي في شمال سوريا.
ومن يراقب الخطاب الإعلامي لهذه القنوات من زاوية البحث السياسي يلاحظ بوضوح تطابقه شبه الكامل مع السردية التركية، خصوصًا عبر الإصرار على الربط الدائم بين (قسد) وحزب العمال الكردستاني، في محاولة لتهيئة الرأي العام وتوفير غطاء سياسي وإعلامي لأي تصعيد أو تدخل عسكري مستقبلي.
يتجاهل هذا الإعلام، عن قصد، التحولات السياسية التي شهدتها القضية الكردية داخل سوريا، وانتقال جزء كبير من نضالها إلى المسار السياسي والمؤسساتي. كما يتم توظيف “التهم الجاهزة” بوصفها أداة لتبرير التدخلات الخارجية وفرض وقائع جديدة على الأرض تحت ذريعة “الأمن القومي”، بما يفتح المجال أمام جماعات مسلحة موالية لتركيا وذات سجل متطرف.
الأخطر من ذلك، هو منح “صك براءة” ضمني لتنظيمات مصنفة إرهابية، مثل “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقًا) بقيادة أبو محمد الجولاني، عبر تصوير قوات سوريا الديمقراطية كخطر أساسي، بما يسهم في تلميع صورة هذه الجماعات وتقديمها كبدائل “ثورية”، في تجاهل تام لسجلها الدموي ونهجها الإقصائي.
كما يكشف الصمت الإعلامي، أو التبرير الضمني، لما تعرّض له الكرد في عفرين وحلب، وما شهده الموحدون الدروز في الجنوب، والمدنيون في الساحل السوري، عن نزعة طائفية تهدد النسيج الاجتماعي السوري، وتشرعن ممارسات يمكن توصيفها بالإبادة العرقية والسياسية.
إن الهدف الاستراتيجي لهذا الخطاب الإعلامي لا يقتصر على التضليل، بل يتعداه إلى محاولة هندسة الجغرافيا السورية عبر الفوضى، وإضعاف مشروع “الإدارة الذاتية” بوصفه نموذجًا للتعايش بين المكونات العربية والكردية والسريانية، وخلق شرخ دائم بينها، بما يبقي البلاد في حالة استنزاف مزمن تمهيدًا لفرض مشاريع التقسيم تحت مسميات “مناطق نفوذ”.
إن ما تمارسه قنوات “العربية” و”الحدث” والمنصات الدائرة في فلكهما لا يمكن اعتباره مجرد أخطاء مهنية، بل هو انحياز ممنهج يخدم قوى التطرف والعنف. وتبقى دماء من سقطوا في مواجهة تنظيم “داعش” الشاهد الأصدق على زيف هذه السرديات، فيما يظل وعي السوريين هو الحصن الأخير في مواجهة مشاريع الفتنة والتفتيت.
لقد كانت قوات سوريا الديمقراطية، ولا تزال، من أكثر القوى تنظيمًا وانضباطًا في المشهد السوري، حاملةً مشروعًا يقوم على التعايش والاعتراف المتبادل، على النقيض من جماعات متطرفة لا تؤمن بالآخر، وتكفّر كل من يخرج عن دائرتها، وتبرر قتله بخطاب ديني مسيّس.
قد تُنتج المصالح تحالفات وتفاهمات ظرفية، لكنها لا تستطيع وحدها مصادرة إرادة الشعوب الساعية إلى الحرية والكرامة. ومن هنا، فإن أي تفاهمات دولية، بما فيها تلك التي تُناقش في العواصم الأوروبية، لن تكون إعادة إنتاج لاتفاقيات سايكس–بيكو، مهما حاولت بعض الأطراف فرض ذلك عبر الإعلام أو السلاح.