في ملعب "ستيت فارم" بولاية أريزونا، لم يكن المشهد الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورجل الأعمال إيلون ماسك خلال حفل تأبين الناشط اليميني تشارلي كيرك مجرد لقطة عابرة.
المصافحة القصيرة والحديث الودي بين الرجلين، اللذين شهدت علاقتهما خلافات علنية حادة، تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية أعمق تتجاوز الإطار البروتوكولي للحدث.
قبل الخلاف
فماسك لم يكن مجرد ملياردير تقني، بل كان لوقت طويل مستشاراً مقرباً من ترامب، قبل أن يختلفا بشدة حول قضايا اقتصادية وتشريعية، أبرزها مشروع قانون خفض الإنفاق الفيدرالي. ماسك، الذي وصف القانون بـ"المقزز"، لم يكتف بالانتقاد بل دعا إلى تأسيس حزب سياسي جديد لكسر هيمنة الجمهوريين والديمقراطيين، وهو ما اعتبر تهديداً مباشراً لترامب الذي يسعى إلى احتكار قيادة اليمين الأمريكي. رد ترامب حينها لم يخلُ من حدّة، إذ هدّد ماسك علناً بأن "يعود إلى جنوب أفريقيا" إذا لم يحظَ بدعم حكومي.
غير أن المصافحة الأخيرة تشير إلى أن البراجماتية لا تزال تحكم العلاقة بين الرجلين. ترامب يدرك أن الدخول في صراع مفتوح مع ماسك، مالك منصة "إكس"، قد يضر بقدرته على التحكم بخطاب اليمين الرقمي الذي يشكل ركيزة حملاته الانتخابية. في المقابل، يفهم ماسك أن استمرار التوتر مع الرئيس الأميركي قد ينعكس سلباً على مصالح شركاته، التي تعتمد بشكل كبير على البيئة التشريعية والدعم الفيدرالي.
إظهار للوحدة؟
من زاوية أخرى، فإن الظهور العلني المشترك يعكس أيضاً حاجة ترامب لإظهار صورة الوحدة داخل المعسكر اليميني، خصوصاً في ظل الانقسامات الداخلية وتحديات الانتخابات المقبلة. كما أنه يرسل رسالة إلى خصومه بأن الخلافات مع الشخصيات البارزة لا تمنعه من الحفاظ على قنوات تواصل عند الحاجة. أما ماسك، فيستفيد من هذه اللحظة لإبراز نفسه كفاعل مؤثر قادر على تجاوز الخلافات الشخصية من أجل قضايا أكبر، وهو ما يعزز صورته كرجل يتجاوز حدود الاقتصاد إلى المجال السياسي.
لكن على الرغم من الرمزية، لا يمكن اعتبار هذه المصافحة مؤشراً على مصالحة حقيقية أو تحالف متين. فهي أشبه بـ"هدنة مصلحية" بين طرفين يعلمان أنهما يحتاجان بعضهما البعض في معركة النفوذ القادمة. ترامب بحاجة إلى التأثير الرقمي الهائل الذي يملكه ماسك عبر "إكس"، بينما ماسك بحاجة إلى تقليل الضغوط السياسية التي قد تعرقل توسع شركاته في مجالات مثل الفضاء والطاقة الكهربائية.
تداخل المال بالسياسة
في المحصلة، تعكس مصافحة أريزونا تداخل المال بالسياسة في الولايات المتحدة، وتكشف كيف تُدار الخلافات بين النخب في إطار من الصراع والتعاون في آن واحد. إنها إشارة إلى أن لعبة النفوذ لا تُحسم بالقطيعة المطلقة، بل عبر مزيج من التصادم والمساومات، حيث يظل الهدف النهائي لكل طرف هو تعظيم مكاسبه وتوسيع دائرة تأثيره.
وبالتالي، فإن هذا المشهد ليس مجرد تكريم لذكرى ناشط يميني، بل لحظة تعيد خلط الأوراق بين قطبي السياسة والاقتصاد في أميركا، وتفتح الباب أمام تساؤلات حول شكل العلاقة المقبلة بين ترامب وماسك، ومدى قدرتها على الصمود وسط التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه البلاد.