تتجه البرازيل إلى انتخابات رئاسية مرتقبة تتسم باستقطاب سياسي حاد، في ظل منافسة بين الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، والسيناتور فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس اليميني السابق جايير بولسونارو، وسط تداعيات محتملة للنتائج على السياسة الخارجية للبرازيل وعلاقاتها مع الولايات المتحدة ودول مجموعة «بريكس».
ويسعى لولا إلى الفوز بولاية رئاسية رابعة غير متتالية، في حين يطرح فلافيو بولسونارو نفسه مرشحًا للتيار المحافظ، مستندًا إلى إرث والده السياسي وقاعدة اليمين البرازيلي.
وتشير استطلاعات الرأي التي أوردتها صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية إلى تقدم محدود للولا في الجولة الأولى، فيما تظهر معظم السيناريوهات تقاربًا بين المرشحين في حال اللجوء إلى جولة إعادة، إذا لم يتمكن أي مرشح من الحصول على أكثر من نصف الأصوات الصحيحة.
ويرى محللون أن الانتخابات تمثل واحدة من أكثر الاستحقاقات السياسية استقطابًا في تاريخ البرازيل الحديث، في ظل استمرار الانقسام السياسي الذي برز بصورة واضحة خلال انتخابات عام 2022.
اهتمام أمريكي متزايد
وتحظى الانتخابات باهتمام أمريكي واسع، في ظل التباين بين توجهات إدارة الرئيس دونالد ترامب وسياسات لولا، خصوصًا فيما يتعلق بعلاقات البرازيل مع دول مجموعة «بريكس» وسياستها الخارجية المستقلة.
وشهدت العلاقات بين واشنطن وبرازيليا خلال الفترة الماضية ضغوطًا تجارية ودبلوماسية، بالتزامن مع تحفظات أمريكية على بعض توجهات الحكومة البرازيلية وتقاربها مع قوى دولية خارج المدار الأمريكي.
وكان لولا قد حذر من احتمال تدخل أمريكي لصالح منافسه، وهي اتهامات تنفيها واشنطن.
ويرى أستاذ العلاقات الدولية ماتياس سبكتور أن وصول فلافيو بولسونارو إلى الرئاسة قد يؤدي إلى تقارب أكبر بين البرازيل والسياسة الأمريكية، ويمنح إدارة ترامب مساحة أوسع لإعادة ترتيب علاقاتها ونفوذها في نصف الكرة الغربي.
وتأتي الانتخابات البرازيلية في ظل تحولات سياسية شهدتها دول عدة في أمريكا الجنوبية، بينها الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي وكولومبيا وباراجواي وبيرو، حيث وصل رؤساء من اليمين أو يمين الوسط إلى السلطة خلال السنوات الأخيرة.
لولا يركز على الديمقراطية والرعاية الاجتماعية
ويركز لولا في حملته الانتخابية على توسيع برامج الرعاية الاجتماعية، ومواصلة مكافحة إزالة الغابات في منطقة الأمازون، إلى جانب تعزيز علاقات البرازيل مع قوى دولية مثل كندا والاتحاد الأوروبي، وتوسيع التعاون مع دول الجنوب العالمي.
وخلال تجمع انتخابي في ريو دي جانيرو، قال لولا إن المعركة الانتخابية لا تتعلق بانتصار شخص بعينه، وإنما بانتصار الديمقراطية.
ويمتلك الرئيس البرازيلي مسيرة سياسية طويلة، إذ تولى الرئاسة بين عامي 2003 و2011، وحظي خلال فترتي حكمه بإشادة بسبب سياسات خفض معدلات الفقر، قبل أن يواجه قضايا فساد أدت إلى سجنه، ثم أُلغيت الأحكام القضائية الصادرة بحقه لاحقًا.
ورغم عودته إلى الرئاسة، لا يزال حزب العمال يواجه حالة من عدم الثقة لدى قطاعات من الناخبين، على خلفية فضائح فساد وأزمة اقتصادية ارتبطت بفترة حكم الحزب قبل أكثر من عقد.
فلافيو بولسونارو يطرح أجندة أقرب إلى واشنطن
في المقابل، يقدم فلافيو بولسونارو نفسه ممثلًا للتيار المحافظ، متعهدًا بخفض الإنفاق العام، وتشديد الإجراءات لمواجهة الجريمة، وتعزيز التعاون مع الولايات المتحدة في مكافحة تهريب المخدرات.
كما يدعو إلى إصدار عفو برلماني عن أشخاص أدينوا على خلفية مخطط الانقلاب، ومن بينهم والده جايير بولسونارو.
ويخضع الرئيس السابق لحكم بالسجن لمدة 27 عامًا، مع تنفيذ العقوبة في الإقامة الجبرية لأسباب صحية، بعدما أُدين في قضية تضمنت مؤامرة مرتبطة بمحاولة الإطاحة بالنظام السياسي، وفق التقرير.
وخلال حملته، اتهم فلافيو بولسونارو القضاء بالتدخل في العملية الانتخابية لمصلحة لولا وحزب العمال، فيما أثارت بعض القرارات القضائية المرتبطة بالمناظرات التلفزيونية جدلًا سياسيًا خلال السباق الانتخابي.
وقال بولسونارو لأنصاره إنه يسعى إلى إنهاء حقبة حزب العمال، في موقف يعكس حدة الانقسام بين المعسكرين السياسيين.
ولا تقتصر المنافسة على اختلاف البرامج السياسية، بل تعكس انقسامًا أوسع داخل المجتمع البرازيلي حول قضايا الاقتصاد والديمقراطية ودور الدولة والسياسة الخارجية.
كما يواجه المرشحان معدلات مرتفعة من الرفض لدى الناخبين، ما يزيد حساسية المنافسة، ولا سيما في حال انتقالها إلى جولة إعادة.
وتكتسب الانتخابات أهمية إضافية بالنسبة لواشنطن، في ظل سعي إدارة ترامب إلى تعزيز نفوذها في أمريكا اللاتينية، بينما يحاول لولا الحفاظ على سياسة خارجية أكثر استقلالًا، وتوسيع علاقات البرازيل مع القوى الدولية خارج المدار الأمريكي.
فضاءات الفكر
من زوايا العالم
من زوايا العالم