بث تجريبي

فتحي محمود يكتب: لماذا السعودية؟!

من يقرأ التاريخ سيفهم لماذا تستهدف إيران وأذرعها في المنطقة المملكة العربية السعودية تحديدًا بشكل منتظم منذ إعلان الجمهورية الإسلامية عام 1979، وقبيل أن تكون هناك أي قواعد أمريكية في دول الخليج العربي، حيث أقيمت أول قاعدة في الكويت عام 1991 عقب الغزو العراقي لها، فمنذ إعلان الجمهورية بدأت إيران مشروعها لمحاولة الهيمنة على الشرق الأوسط، ورفع الخميني شعار «تصدير الثورة الإسلامية»، بهدف الإطاحة بنظم الحكم في المنطقة وإحلال نظم بديلة موالية لإيران فيها، وأنشأت إيران العديد من الإذاعات الموجهة باللغة العربية، تحمل خطابًا تحريضيًا صريحًا على الأنظمة الحاكمة في دول الخليج، وعلى رأسها السعودية باعتبارها أكبر دولة خليجية، وبما تمثله من رمزية دينية لدى العالم الإسلامي، ومن قوة اقتصادية عربية كبرى، ومنافس قوي يمكن أن يعرقل مخططه باستغلال التجمعات الشيعية في بعض الدول العربية لتكون أذرعًا للحرس الثوري الإيراني.

وفي عام 1984 قصفت إيران الناقلة السعودية «مفخرة ينبع» في ميناء رأس تنورة السعودي، وفي نفس العام شنت إيران هجومًا جويًا على المملكة، ونجحت الدفاعات الجوية السعودية في إسقاط طائرتين إيرانيتين من طراز F-4 فوق الخليج العربي، وبعدها في عام 1987 قام الحجاج الإيرانيون بتنظيم تظاهرات ضخمة ومسلحة في مكة المكرمة أثناء موسم الحج، ترفع صور الخميني، واشتبكت مع قوات الأمن، مما أسفر عن وقوع ضحايا كثر من الحجاج ورجال الأمن، وفي نفس العام تم اقتحام السفارة السعودية في طهران وحرقها وسرقة محتوياتها، بينما نجحت السلطات السعودية عام 1987 في ضبط وتفكيك تنظيم شيعي دربته ومولته إيران باسم «حزب الله الحجاز»، كان يعد لعمليات تخريب واسعة النطاق في المملكة لإثارة الذعر والفوضى.

وحتى خلال الحرب الأمريكية الإيرانية الأخيرة حاولت المملكة البقاء خارجها منذ بدايتها في 28 فبراير 2026، ورفضت أن تُستخدم أراضيها أو قواعدها كمنطلق رئيسي للحملة الأمريكية، وأدانت التصعيد ودعت إلى ضبط النفس وخفض التوتر، وأبقت قنوات دبلوماسية مفتوحة مع إيران، وأكدت مرارًا أنها لا تسعى إلى التصعيد، ورغم ذلك شنت طهران حملة صاروخية ومسيرة على السعودية، ثم شاركت الأذرع الإيرانية في اليمن والعراق في قصف الأراضي السعودية، وشن الحوثيون هجمات متكررة بالصواريخ والمسيرات، وفي إحدى الهجمات الكبرى أصيب أكثر من 70 شخصًا، وأُضرمت نيران في منشآت، كما استهدفت الميليشيات الموالية لإيران في العراق خط أنابيب شرق-غرب الحيوي بطائرات مسيرة، مما اضطر السلطات السعودية إلى إغلاقه مؤقتًا.

كما استغلت إيران أيضًا الصراع في اليمن الذي تتنوع أسبابه بين عوامل داخلية يمنية عميقة الجذور، وعوامل إقليمية تتعلق بالصراع على النفوذ بين السعودية وإيران، بالإضافة إلى مخاوف أمنية حدودية سعودية، فقد بدأت حركة الحوثيين (أنصار الله) في تسعينيات القرن الماضي كحركة إحياء زيدية شيعية في محافظة صعدة شمال اليمن، كرد فعل على ما اعتبرته تهميشًا اقتصاديًا وسياسيًا للمنطقة، وخاضت ست حروب مع حكومة الرئيس علي عبدالله صالح بين 2004 و2010، وبعد انتفاضة 2011، تنحى صالح بموجب مبادرة خليجية، وتولى عبد ربه منصور هادي الرئاسة الانتقالية، استغل الحوثيون ضعف الدولة والفساد وإلغاء دعم الوقود عام 2014، وتحالفوا مؤقتًا مع قوات موالية لصالح، ليسيطروا على صنعاء، وأقالوا الحكومة ووضعوا هادي تحت الإقامة الجبرية، فاستقال ثم فر إلى عدن ثم إلى السعودية، وتقدم الحوثيون جنوبًا نحو عدن، ما دفع هادي إلى طلب تدخل عسكري خارجي، وأطلقت السعودية تحالفًا عربيًا (عملية عاصفة الحزم ثم إعادة الأمل) بهدف إعادة الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا بقيادة هادي، ومنع تحول اليمن إلى قاعدة معادية دائمة.

ورغم أن الوضع في اليمن له خصوصية محلية بالدرجة الأولى، فإن إيران نجحت في استغلاله لاستنزاف السعودية، وبدأت في تقديم مساعدات عسكرية للحوثيين، وأصبحت المساعدات أكثر كثافة خلال السنوات الأخيرة بدعمهم بصواريخ باليستية وكروز، وطائرات مسيرة، وألغام بحرية، وأنظمة رادار، مع وجود خبراء إيرانيين وعراقيين ولبنانيين على الأرض لتدريب الحوثيين على تشغيل المنظومات المتقدمة والاستخبارات، حيث رأت إيران في ذلك فرصة رخيصة التكلفة لإضعاف السعودية وخلق جبهة جنوبية عليها، وهذا الدعم حوّل الحوثيين من ميليشيا قبلية إلى قوة قادرة على استهداف منشآت سعودية بعيدة، وتهديد الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.

في الوقت نفسه تتعرض السعودية خلال السنوات الأخيرة إلى نوع آخر من الضغوط، وهي الضغوط الأمريكية المتكررة والعلنية من جانب دونالد ترامب للتطبيع مع إسرائيل، لكنها ترفض الاستسلام لهذه الضغوط وتتمسك بشروطها الخاصة، وحتى عندما تم الإعلان في يوليو الماضي عن اتفاق تعاون نووي مدني أمريكي-سعودي، أعلن ترامب في اليوم التالي أن الاتفاق مرتبط تمامًا بانضمام السعودية إلى اتفاقيات إبراهام، مما دعا السعودية للتأكيد رسميًا أن نص الاتفاق الموقع لا يتضمن هذا الربط، وأن موقفها لم يتغير، وأنه لا تطبيع للعلاقات مع إسرائيل دون مسار واضح وموثوق نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ووقف العدوان على غزة وانسحاب القوات الإسرائيلية منها، وهو الموقف الذي أكده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مرارًا، وأعادت وزارة الخارجية السعودية تأكيده رسميًا مؤخرًا.

وعندما لم تتدخل أمريكا لمواجهة سيطرة الحوثيين على باب المندب، تساءل البعض: هل هي وسيلة ضغط أمريكية جديدة على السعودية للقبول بالتطبيع مع إسرائيل، فالرئيس ترامب يرى التطبيع السعودي «الجائزة الكبرى» لاتفاقيات إبراهام، ويحاول استغلال الحاجة السعودية للدعم الأمريكي في مواجهة التهديدات الإيرانية والحوثية، لكن السعودية تقاوم هذه الضغوط بثبات، وتجعل التطبيع مشروطًا بتقدم حقيقي في الملف الفلسطيني.

نقلاً عن جريدة الأهرام... 

قد يهمك