الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، والوجدان الأخلاقي العالمي وذاكرته سوف تنحاز في النهاية للحقائق الواضحة.. ولن يكتمل بناء عالم قوامه القانون والعدالة إلا بكسر جدار الإنكار والاعتراف الكامل بالحقوق التاريخية والإنسانية للشعوب المضطهدة..
وتصفية الحسابات بين كل من تركيا وإسرائيل بشأن الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط وتشكيل محاور نفوذ جديدة بداخلها دفعت كلا الدولتين لتبادل الاتهامات مؤخراً في ملف الإبادة الذي كان مغلقاً بينهما لعقود من الزمن، حيث تسعى إسرائيل للضغط السياسي وابتزاز تركيا بالتلويح بملف الإبادة الأرمنية رداً على الدعم التركي للقضية الفلسطينية وانتقاد حرب غزة وجنوب لبنان.
وتواجه إسرائيل اتهامات بارتكاب أعمال إبادة جماعية ضد الفلسطينيين منذ نكبة 1948 كما في الدعوى المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية، ولكنها تماطل وتدعي أن ما حدث من وقوع ضحايا ما هو إلا بسبب الدفاع المشروع عن النفس، وتصنف كافة أفعالها العسكرية على هذا الأساس.
وإسرائيل تتهم الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية بالانحياز الأعمى والافتراء القانوني تجاه حقها في مواجهة الإرهاب، وترى أن الضحايا المدنيين الذين سقطوا في حربها هذه يدرجون تحت بند الأضرار الجانبية الحتمية الناتجة عن تمركز الفصائل الفلسطينية داخل الحاضنات المدنية.
في حين ترجع أنقرة أحداث ما يسمى بإبادة الأرمن عام 1915 لظروف الحرب العالمية الأولى والتمرد الداخلي والتهجير الأمني لحماية حدود الدولة العثمانية الآيلة للسقوط، معتبرة أن الضحايا الذين سقطوا من الطرفين، سواء كانوا أتراكاً أم أرمن، جاءوا بسبب الاضطرابات والمجاعة.
وترى تركيا في اتهامات الإبادة للأرمن ما هي إلا مؤامرة إسرائيلية تستهدف ابتزاز الدولة وإضعاف سيادتها، بل وتتهم أنقرة العواصم الغربية التي تعترف بإبادة الأرمن بالنفاق السياسي وتسييس التاريخ لأهداف انتخابية أو إقليمية.
وإذا كانت إسرائيل لديها شبكة أمان دبلوماسية غربية تحمي إنكارها من الإبادة تفادياً من الوصول إلى عقوبات دولية ملزمة، ففي المقابل تواجه أنقرة ضغوطاً أميركية وأوروبية متكررة اعتمدت فيها قضية الأرمن كورقة ضغط في ملفات سياسية.
وغالباً ما ترتكز رواية تركيا في رفضها لما يسمى بالإبادة الجماعية للأرمن على أساس أنه تهجير قسري في سياق الحرب العالمية الأولى ووقوع ضحايا من الطرفين، وأنها أحداث وقعت قبل أكثر من قرن، وبالتالي ينصب النقاش على الذاكرة والتعويض المعنوي والمادي.. في حين بالمقابل نجد أن الإنكار الإسرائيلي يتعلق بصراع حي مستمر وموثق بالبث الحي، مما يجعل الإنكار في مواجهة مع الواقع الراهن وليس مع أرشيف التاريخ.
وإذا كانت الدولتان ترفضان مصطلح الإبادة الجماعية وتتبعان سياسة الإنكار المزدوج والمستنسخ لأنه يحمل في طياته أبعاداً وتبعات قانونية وأخلاقية في القانون الدولي، إلا أنه من حق الضحايا من المصابين وأقاربهم الدفاع عن حقوقهم في الاعتراف بمعاناتهم وعدم الحرمان من ملاحقة الذين ارتكبوا هذه الجرائم في المحاكم المختصة وتطبيق العقوبات المشددة عليهم حتى يكونوا عبرة لغيرهم ولمن لا يعتبر، وبما يضمن عدم تكرار مثل هذه الأحداث من الجرائم الإنسانية التي لا تسقط بالتقادم.
وبحيث نصل إلى أن سياسة الإنكار ستكون هي الفصل الأخير من فصول الاضطهاد لعقم هذه السياسات.
ومن المؤكد أن السلام الحقيقي وتحقيق الاستقرار في منطقة ملتهبة بالصراعات في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتأسس على طمس الذاكرة التاريخية، بل على مواجهة الحقيقة وتحقيق العدالة الانتقالية.
منبر الرأي
منبر الرأي