كشفت صور أقمار صناعية حلّلتها وكالة «رويترز»، إلى جانب شهادات سكان، أن الجيش الإسرائيلي نفّذ عمليات تدمير واسعة لمبانٍ سكنية في قطاع غزة، وأجبر فلسطينيين على النزوح، عبر نقل كتل خرسانية ترسم خط السيطرة المنصوص عليه في اتفاق وقف إطلاق النار مع حركة «حماس» إلى داخل أحياء مأهولة.
وتُظهر الصور أن إسرائيل وضعت كتلًا خرسانية مخصّصة لترسيم ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» على مسافات تتراوح بين عشرات ومئات الأمتار داخل مناطق كانت خاضعة لسيطرة «حماس»، كما أقامت ما لا يقل عن ستة تحصينات عسكرية لتمركز قواتها.
وبحسب التحليل، غيّرت إسرائيل من جانب واحد خط سيطرتها داخل القطاع، ما أدى إلى تطويق مساحات إضافية كانت تُستخدم للسكن، في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة الدفع بخطة لإنهاء الحرب في غزة تتضمن انسحابًا إسرائيليًا من مواقع إضافية.
وتبرز هذه التغييرات بوضوح في حيّ التفاح شرق مدينة غزة، الذي كان حيًا تاريخيًا قبل أن يتحول إلى منطقة مدمّرة بفعل القصف المتواصل خلال عامين. وكان آلاف الفلسطينيين قد لجأوا إلى الحي بعد بدء سريان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، على أساس انسحاب القوات الإسرائيلية إلى «الخط الأصفر» المرسوم على الخرائط العسكرية بمحاذاة الحافة الشرقية للحي.
غير أن صور الأقمار الصناعية الملتقطة يومي 2 و13 ديسمبر أظهرت أن القوات الإسرائيلية وضعت الكتل بدايةً على جانب «حماس» من الخط، ثم نقلتها لاحقًا إلى عمق الحي بنحو 200 متر. وأفاد تحليل «رويترز» بأن الجيش شرع بعد ذلك في تسوية المنطقة بالأرض وتدمير ما لا يقل عن 40 مبنى، ولم يتبقَّ سوى عدد محدود من المنشآت القائمة بين مواضع الكتل الجديدة والخط الأصفر.
وخارج حي التفاح، رُصدت تحركات مماثلة في مناطق أخرى من القطاع. ففي خان يونس جنوب غزة، أظهرت صور ديسمبر 2025 وضع كتل على مسافات تصل إلى نحو 390 مترًا و220 مترًا خلف خط السيطرة، بالتوازي مع تدمير مبانٍ وتفكيك تجمعين من الخيام المخصّصة لإيواء نازحين.
كما بيّنت الصور إقامة ستة تحصينات كبيرة على الجانب الإسرائيلي ضمن مسافة 700 متر من خط السيطرة، بينها تحصين في بيت حانون شمال القطاع يبعد قرابة 264 مترًا عن الخط.
وأفادت مصادر محلية بأن معظم سكان غزة، البالغ عددهم نحو مليوني نسمة، تعرّضوا للنزوح إلى شريط ساحلي ضيق لا تزال «حماس» تسيطر عليه، حيث يقيم كثيرون في خيام أو مبانٍ متضرّرة. وأعرب مسؤولون عن مخاوف من تكريس تقسيم فعلي للقطاع، مع احتمالات حصر عمليات الإعمار في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
ومنذ سريان وقف إطلاق النار، أطلقت القوات الإسرائيلية النار مرارًا في المناطق المحيطة بالخط الأصفر، مبررة ذلك بمحاولات عبور أو هجمات على قواتها. وفي حي التفاح، أظهرت مقاطع مصوّرة التُقطت مطلع يناير الجاري تحليق طائرات مسيّرة صغيرة على ارتفاع منخفض داخل المنطقة، خلال دوريات جوية قرب مواقع سكنية.