لا تزال التداعيات السياسية لعملية اعتقال نفذتها قوات أمريكية خاصة بحق الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تتفاعل بقوة على الساحة الدولية، في خطوة وصفت بأنها تحول استراتيجي في مساعي واشنطن لتقويض نفوذ إيران وحزب الله في أمريكا اللاتينية، وكشف شبكات مالية وأمنية معقدة امتدت لسنوات داخل فنزويلا وخارجها.
وذكرت شبكة "فرانس 24" أن العملية تمثل تقدماً كبيراً في هدف الولايات المتحدة المعلن باستئصال نفوذ حزب الله من القارة، حيث تتهم واشنطن الحزب بإدارة شبكات لتهريب السلاح وغسيل الأموال والاتجار غير المشروع، محذّرة من عدم التساهل مع وجوده أو مع داعميه الإيرانيين داخل فنزويلا.
وأشارت الشبكة إلى أن الصدمة الناتجة عن العملية تجاوزت حدود فنزويلا لتصل إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله، حيث استثمرت واشنطن الحدث لإيصال رسالة سياسية وأمنية مباشرة. وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وفق تصريحات نقلتها شبكتا "سي بي إس" و"إن بي سي نيوز"، إن إدارة الرئيس دونالد ترامب لن تسمح باستمرار ما وصفه بـ"النفوذ الخبيث" لحزب الله وإيران في فنزويلا، مؤكداً أن القرار يهدف إلى إنهاء وجودهما بالكامل بعد عقود من احتضانهما في كاراكاس بدوافع عدائية تجاه الولايات المتحدة.
ومنذ عام 2008، تفيد تقارير إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية بأن حزب الله موّل جزءاً كبيراً من نشاطاته عبر تهريب المخدرات والأسلحة وغسيل الأموال في أمريكا اللاتينية وخارجها، حيث قدرت العائدات السنوية لهذه الأنشطة بنحو مليار دولار. ووفق محققين أمريكيين، أظهر مادورو تساهلاً أكبر من سلفه هوجو تشافيز تجاه نشاط الحزب، ما جعل فنزويلا ملاذاً آمناً له مع وجود هياكل قيادية في العاصمة كاراكاس.
ورغم نفي فنزويلا وحزب الله لهذه الاتهامات، معتبرين أن الاتجار بالمخدرات محرّم دينياً، إلا أن التقارير الأمريكية والغربية لا تزال تؤكد ترسخ هذه الشبكات.
وفي تقرير صادر عام 2020 عن المجلس الأطلسي، جرى التأكيد على أن شبكات حزب الله في فنزويلا متغلغلة بعمق داخل الاقتصاد غير المشروع الذي يسيطر عليه نظام مادورو، في علاقة منفعة متبادلة توفر للحزب بيئة آمنة للنشاط مقابل دعم سياسي ومالي للنظام من الشرق الأوسط. وقالت كارولين روز، الباحثة في معهد "نيو لاينز"، إن هذه الأنشطة وفّرت للحزب مصادر تمويل حيوية.
من جهتها، وصفت قناة "الحرة" الأمريكية العملية بأنها "زلزال سياسي" ارتدت آثاره إلى طهران وبيروت، معتبرة أن فنزويلا شكلت لعقدين البوابة الرئيسية لإيران نحو أمريكا اللاتينية، وأن جذور هذا التحالف تعود إلى حقبة الرئيس الراحل هوجو تشافيز ونظيره الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، حيث لعب حزب الله دور الإطار الأول لتغلغل الحرس الثوري الإيراني عبر الجاليات اللبنانية.
وفي السياق ذاته، أكدت النائبة اللبنانية السابقة وهبة قطيشة، وفق ما نقلته "الحرة"، أن عناصر من حزب الله حصلوا على جوازات سفر فنزويلية رسمية، مكّنتهم من تجاوز التدقيق الأمني المفروض عادة على مواطني لبنان وإيران وسوريا المرتبطين بالحزب.
وأشار تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية عام 2019 إلى أن الفساد الممنهج في مؤسسات الدولة الفنزويلية سهّل إصدار هذه الوثائق، بينما كشف مارشال بيلينغسلي، مساعد وزير الخزانة الأمريكي السابق، عن إصدار أكثر من عشرة آلاف جواز سفر بين عامي 2010 و2019، ما أتاح لحامليها دخول أكثر من 130 دولة.
ويؤكد خبراء أمنيون أن الحزب أسس اقتصاداً موازياً يعتمد على الذهب وغسيل الأموال وعمليات التهريب، وأن سقوط نظام مادورو قد يفتح ملفات شبكات مالية معقدة ويضع الحزب أمام أزمة تمويل غير مسبوقة.