كشفت اشتباكات وقعت شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية عن اتساع نطاق العمليات الأمنية والعسكرية المرتبطة بإريك برينس، مؤسس شركة «بلاك ووتر» العسكرية الخاصة، بعدما تعرضت قوات تعمل ضمن عملياته لكمين في مقاطعة جنوب كيفو منتصف سبتمبر الماضي، أسفر عن مقتل وإصابة نحو 20 شخصًا، بينهم مقاتلون أجانب، وفقًا لمصادر مقربة من الحكومة الكونغولية.
ونقلت وكالة «رويترز» عن مصدرين يعملان مع الحكومة الكونغولية أن الهجوم وقع في 17 سبتمبر، وأسفر عن مقتل سبعة كونغوليين على الأقل، إلى جانب عضو سابق في القوات الخاصة النيوزيلندية، فيما أصيب أمريكي ومتعاقد أجنبي آخر. وأشار التقرير إلى أن الخسائر شملت مقاتلًا سابقًا معروفًا في رياضة الفنون القتالية المختلطة وبطولة القتال النهائي (UFC).
وتسلط الواقعة الضوء على الدور المتنامي الذي يؤديه برينس في شرق الكونغو عبر شركته «فيكتوس جلوبال»، التي تقدم خدمات استشارية وأمنية في هايتي ومناطق أخرى من إفريقيا. وكان أفراد يعملون ضمن عملياته قد ساعدوا الجيش الكونغولي في تأمين مدينة أوفيرا، في ظل المواجهات مع متمردي حركة «إم 23» المدعومين من رواندا، الذين يسيطرون على مناطق واسعة من شرق البلاد.
وبرينس هو مؤسس شركة «بلاك ووتر» العسكرية الخاصة، التي جرى حلها لاحقًا، وعُفي عن بعض أفرادها عام 2020 بعد إدانتهم بقتل مدنيين عراقيين. وبدأ دوره في الكونغو بمهمة تركز على تأمين عمليات تحصيل الإيرادات وتحسينها من احتياطيات البلاد المعدنية الضخمة، التي أدى استغلالها ونهبها لعقود إلى تفاقم الصراع.
وفي يناير وأوائل فبراير الماضيين، انتشرت قوات مرتبطة ببرينس في مدينة أوفيرا، بعد جهود أمريكية أسهمت في التوصل إلى اتفاق لانسحاب مقاتلي حركة «إم 23» من المدينة الاستراتيجية.
يتزامن توسع أنشطة برينس في الكونغو مع مساعي إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتعزيز حضور الشركات الأمريكية في قطاع التعدين بالبلاد، وسط قلق متزايد في واشنطن من هيمنة الصين على المعادن الحيوية، وفي مقدمتها الكوبالت.
وفي ديسمبر الماضي، وقّعت الولايات المتحدة والكونغو اتفاقية تمنح مصالح التعدين الأمريكية امتيازات خاصة، فيما وصف عدد من المسؤولين الكونغوليين الاتفاق سرًا بأنه «سلام مقابل المعادن»، في إشارة إلى الارتباط بين الترتيبات السياسية والأمنية والمصالح الاقتصادية.
وبحسب ما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز»، وقّع برينس في أواخر عام 2024 عقدًا واسع النطاق مع حكومة الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسكيدي لتقديم خدمات أمنية وتعدينية. ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمريكي سابق أن قيمة العقد تصل إلى مئات الملايين من الدولارات على مدى خمس سنوات.
ومنذ ذلك الحين، وفّرت عمليات برينس طائرات مسيّرة ومقاتلين لمساندة القوات الكونغولية في مواجهاتها مع حركة «إم 23»، كما امتد نشاط شركته إلى ملف الضرائب. وتوظف الشركة نحو 100 شخص في الكونغو ضمن جهود تستهدف استرداد جزء من الإيرادات التي تخسرها البلاد سنويًا بسبب الاحتيال في قطاع التعدين، والمقدرة بنحو ثلاثة مليارات دولار.
ويقود هذه العمليات جندي سابق في الفيلق الأجنبي الفرنسي، يعمل من مركز مالي حديث في العاصمة كينشاسا، وفقًا للتقرير. وخلال العام الماضي، تمركز مقاتلون يعملون لصالح برينس في مطار بمدينة كاليمي، الواقعة على الضفة الغربية لبحيرة تنجانيقا شرقي البلاد، بحسب مسؤولين حاليين وسابقين نقلت عنهم «نيويورك تايمز».
كما استعان برينس بطيارين من كولومبيا وأوكرانيا لتشغيل الطائرات المسيّرة وتنفيذ غارات جوية ضد المتمردين، في مؤشر على تنوع الجنسيات والخبرات الأجنبية المشاركة في العمليات العسكرية داخل الكونغو.
تثير مشاركة المقاتلين الأجانب في الكونغو حساسيات تاريخية، إذ انضم مئات الأوروبيين إلى جهود انفصال إقليم كاتانجا خلال ستينيات القرن الماضي. ولا تزال الذاكرة السياسية الكونغولية تستحضر كذلك دور وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في الأحداث التي سبقت الإطاحة بأول رئيس وزراء للبلاد، باتريس لومومبا، الذي أُعدم لاحقًا على يد فرقة من الضباط البلجيكيين المتعاقدين.
لكن الرئيس تشيسكيدي اتجه إلى الاستعانة بمقاتلين أجانب مع عودة حركة «إم 23» إلى التوسع في شرق الكونغو منذ عام 2023، في وقت واجه فيه الجيش الوطني صعوبات في احتواء تقدم الحركة. ونتيجة لذلك، أُسندت بعض المهام العسكرية الأساسية إلى قوات ومتعاقدين من خارج البلاد.
وكان مقاتلون رومانيون قد كُلّفوا بالدفاع عن مدينة جوما، أكبر مدن المنطقة، قبل أن يتعرضوا للهزيمة في يناير 2025. كما أفادت «نيويورك تايمز»، نقلًا عن مسؤولين حاليين وسابقين، بأن طيارين شغّلوا طائرات مسيّرة صينية انطلاقًا من مدينة كيسانجاني، قبل تعرض قاعدتهم لهجوم في مايو، يُشتبه في تنفيذه بواسطة طائرة مسيّرة رواندية.
وتقول مسؤولون أمريكيون إن مشروعات برينس في الكونغو وغيرها من الدول خاصة بالكامل، ولا تتلقى دعمًا من الحكومة الأمريكية. ومع ذلك، يمتلك برينس علاقات سياسية في واشنطن؛ إذ سبق أن تبرع بمبلغ 250 ألف دولار لحملة ترامب الانتخابية، كما شغلت شقيقته بيتسي ديفوس منصب وزيرة التعليم خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي.
وتكشف هذه التطورات عن تداخل متزايد بين الأمن الخاص واستغلال الموارد المعدنية والصراع المسلح في الكونغو، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تعزيز إيراداتها ومواجهة الجماعات المسلحة، بينما تتنافس القوى الدولية على الوصول إلى المعادن الحيوية التي تمتلكها البلاد.
من زوايا العالم
من زوايا العالم
من زوايا العالم
من زوايا العالم