بث تجريبي

البرلمان الليبي أمام معادلة جديدة.. ماذا تغيّر من عقيلة صالح إلى عبد النبي؟

بعد عقد كامل، بقي خلاله اسم عقيلة صالح مرادفاً لكرسي رئاسة مجلس النواب الليبي، جاء التغيير المفاجئ بانتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً جديداً ليُحدث هزة في المشهد التشريعي، في توقيت سياسي تتصارع فيه قوى دولية ومحلية حول فرض مسارات سياسية وانتخابية.

وبينما يعول البعض على القيادة الجديدة لإعادة ترتيب موازين القوة، يخشى آخرون أن تفتح هذه الخطوة الباب أمام مواجهة جديدة تعصف بما تبقى من وحدة قرار المؤسسة التشريعية في بلد يعيش على إيقاع الانقسام.

وبدأت عملية التغيير في جلسة عقدها المجلس بمدينة بنغازي في تشرين الأول، بحضور 102 نائب، صوّت 98 منهم لصالح تعديل النظام الداخلي واعتماد نظام للرئاسة الدورية، وبموجب التعديل، تصبح ولاية هيئة رئاسة المجلس 12 شهرًا، تنتهي بانقضاء المدة، على أن يجري انتخاب هيئة جديدة خلال 7 أيام من انتهاء الولاية.

وفي اليوم التالي، انتخب النواب الصالحين عبد النبي رئيسًا للمجلس، إلى جانب طارق الأشتر نائبًا أول ومصباح دومة نائبًا ثانيًا، وحصل الأشتر على 63 صوتًا مقابل 47 لمنافسه الصديق حمودة، فيما انتُخب دومة بالإجماع، وتشمل هيئة المكتب الجديدة كذلك زايد هدية مقررًا، ومحمد تامر نائبًا للمقرر، إلى جانب ثلاثة مراقبين هم صالح فحيمة وسليمان سويكر ومحمد امدور.

لكن التغيير لم يمر بإجماع داخل المجلس، فقد رفض عقيلة صالح مخرجات جلسة 5 أكتوبر /تشرين الاول، معتبرًا أنها غير رسمية ولا يترتب عليها أثر قانوني، بينما يؤكد نواب مؤيدون للتغيير أن الجلسة استوفت النصاب وأن إجراءات انتخاب القيادة الجديدة صحيحة. 

واتسع الخلاف مع إعلان 12 نائبًا، غالبيتهم من المنطقة الغربية، الدعوة إلى عقد جلسة في طرابلس لإعادة انتخاب هيئة رئاسة المجلس، في خطوة تكشف أن انتقال السلطة لم يحسم بعد معركة الشرعية داخل المؤسسة التشريعية.

وتكمن أهمية التغيير في أنه يضع حدًّا، على الأقل من الناحية السياسية، لصيغة قيادة ارتبطت بعقيلة صالح منذ سنوات طويلة، لكنه لا يعني بالضرورة اختفاء نفوذ الرجل أو القوى التي دعمته من المشهد.

واللافت أن النواب لم يكتفوا بانتخاب رئيس جديد، بل أقروا آلية مختلفة لإدارة المنصب، تقوم على الرئاسة الدورية لمدة عام واحد. وقد يُقرأ ذلك باعتباره محاولة لمنع بقاء رئاسة المجلس مفتوحة زمنيًا وإتاحة تداول المنصب بين النواب، لكنه قد يتحول أيضًا إلى وسيلة جديدة لإعادة توزيع النفوذ داخل البرلمان.

ويخشى طيف واسع من الليبيين أن هذا التغيير الذي يفترض أن يعزز قوة المؤسسة التشريعية قد يصبح مصدرًا لخلاف جديد إذا استمر الجدل حول الأساس القانوني للجلسة التي أقرته.

ولا تبدو مهمة الصالحين عبد النبي سهلة، ليس فقط بسبب الخلاف حول طريقة وصوله إلى المنصب، وإنما لأن البرلمان نفسه يعكس جانبًا من الانقسام السياسي والجغرافي في ليبيا، بالرغم من ضعف عدد النواب المعارضين.

وبالرغم من أن الرئيس الجديد ينتمي إلى الشرق، فإن انتخابه لا يمثل انتقالًا آليا للقيادة من شرق البلاد إلى غربها، لكن دعوة نواب من المنطقة الغربية إلى عقد جلسة في طرابلس تعني أن القضية تجاوزت المنافسة على اسم رئيس المجلس إلى سؤال أوسع يتعلق بمكان انعقاد المؤسسة، وبمدى استقلال قرارها عن الضغوط السياسية والأمنية.

وقد شدد النواب الـ 12 في بيانهم على ضرورة أن تكون جلسات المجلس علنية وشفافة، وأن يتمكن الأعضاء من التصويت بحرية بعيدًا عن أي تدخل، داعين في الوقت نفسه إلى تسريع الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

وبذلك سيكون أحد الاختبارات الأولى أمام عبد النبي هو الحفاظ على وحدة المجلس ومنع تحول الخلاف حول انتخاب هيئة الرئاسة إلى انقسام مؤسسي جديد.

ويأتي هذا التغيير في وقت تحاول فيه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، دفع الأطراف نحو تنفيذ خارطة طريق سياسية تقود إلى توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات.

وقالت البعثة، في أعقاب انتخاب القيادة الجديدة، إنها تابعت جلستي مجلس النواب في بنغازي، وأخذت علمًا بانتخاب الصالحين عبد النبي وهيئة الرئاسة الجديدة، مؤكدة استعدادها للعمل مع المجلس وقيادته وجميع أعضائه ضمن خارطة الطريق المدعومة أمميًّا، بهدف توحيد المؤسسات وتنفيذ الإصلاحات وإجراء الانتخابات ضمن الإطار الزمني المحدد في اتفاق 30 آب الماضي.

وهذا ما يضع البرلمان أمام وظيفة مختلفة عن مجرد إدارة المرحلة التشريعية؛ إذ بات مطلوبًا منه التعامل مع ملفات ترتبط مباشرة بمستقبل السلطة في ليبيا، من الإطار القانوني والدستوري للانتخابات إلى توحيد المؤسسات وترتيب المرحلة الانتقالية.

وكان اتفاق 30 أغسطس وضع مسارًا لمعالجة الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات وإعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات، مع هدف إجراء الانتخابات خلال فترة لا تتجاوز 24 شهرًا، غير أن الخلافات بين المؤسسات الليبية حول آليات تنفيذ الاتفاق لا تزال قائمة.

ولا يمكن الجزم بأن تغيير رئاسة مجلس النواب، يكفي وحده للقول إن ليبيا دخلت مرحلة سياسية جديدة. فالعقبة الأولى أمام القيادة الجديدة تتمثل في تثبيت شرعيتها داخل المؤسسة نفسها، ثم تحويل التغيير الإداري إلى قدرة سياسية على اتخاذ قرارات متوافق عليها.

كما أن اعتماد الرئاسة الدورية قد يفتح الباب أمام تداول أكبر للسلطة داخل البرلمان، لكنه سيختبر أيضًا قدرة النواب على منع المنصب من التحول إلى جولة متكررة من الصراع على النفوذ.

قد يهمك