بث تجريبي

على غرار سوريا وليبيا سابقاً .. غضب ضد أردوغان داخل تركيا يطالبه بعدم جر البلاد إلى حرب اليمن

فتحت تركيا بابًا جديدًا للنقاش الداخلي حول حدود دورها العسكري في الشرق الأوسط، مع بدء تفعيل الالتزامات الدفاعية بموجب «اتفاق مكة» الذي يجمعها بالسعودية وباكستان، وسط تصاعد المواجهات في اليمن والهجمات الحوثية على المملكة.

وبينما تقدم أنقرة مشاركتها باعتبارها جزءًا من الدفاع الجماعي عن السعودية، ترى المعارضة التركية أن الانخراط العسكري في حماية المملكة، في ظل استمرار الحرب مع الحوثيين، قد يدفع تركيا تدريجيًا إلى أن تصبح طرفًا في نزاع لا تخوضه مباشرة.

ولعل موقف المعارضة التركية يعيد إلى الأذهان مواقفها عندما عارضت بشدة التدخلات التركية في سوريا وليبيا في السابق، وجر البلاد إلى صراعات هي في غنى عنها.

تفعيل «اتفاق مكة» يفتح باب التساؤلات

جاءت الخطوة عقب الاجتماع الاستثنائي للجنة السياسية والاستراتيجية والدفاعية للتحالف، الذي استضافته الرياض في 5 أكتوبر، حيث قررت الدول الثلاث الانتقال إلى التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع الجماعي، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها ونشرها سريعًا في السعودية، وفق الترتيبات والتشريعات الوطنية لكل دولة.

ويكتسب القرار حساسية خاصة بالنسبة إلى تركيا بسبب توقيته، إذ يأتي في ظل تصاعد التوترات المرتبطة باليمن، وتعرض السعودية لهجمات حوثية، بالتزامن مع تحركات عسكرية على الساحة اليمنية.

وبذلك لم يعد «اتفاق مكة» يتحرك في إطار نظري للردع، وإنما في بيئة إقليمية تشهد صراعًا عسكريًا مفتوحًا، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الدور التركي وحدوده.

أوزال يحذر من «مغامرة» عسكرية

ورفع زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض، أوزغور أوزال، سقف الاعتراض الداخلي على الخطوة، محذرًا من أن تفعيل الاتفاق قد يقود إلى جر تركيا إلى الحرب اليمنية.

وقال أوزال، خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزبه، إن أي قرار بإرسال جنود أتراك إلى خارج البلاد يجب أن يحصل على موافقة البرلمان، منتقدًا عدم إحالة الاتفاقية إلى المؤسسة التشريعية قبل اتخاذ قرار يتعلق بنشر القوات.

واعتبر أن توقيع اتفاق دفاع مشترك مع دولة تخوض حربًا قد يجعل الدولة الموقعة طرفًا في النزاع، قائلًا: «أرفض المغامرة التي ستزج بالجنود في اليمن بعد 100 عام».

ولا يقتصر اعتراض المعارضة على طبيعة الالتزام العسكري، وإنما يمتد إلى المسار الدستوري والسياسي للقرار، إذ ترى أنقرة المعارضة أن المسألة لا تتعلق فقط بقدرة تركيا على الدفاع عن حليف، وإنما بمن يملك قرار إرسال القوات إلى خارج الحدود، وفي أي ظروف يمكن أن يتحول الوجود العسكري في السعودية إلى مشاركة في حرب أوسع.

أنقرة: المهمة دفاعية والحوار مستمر

في المقابل، لا يقدم الموقف التركي الرسمي الخطوة باعتبارها قرارًا بالدخول في الحرب اليمنية.

وقال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، عقب اجتماع الرياض، إن المشاركين ناقشوا نوع الدعم الذي يمكن تقديمه للدفاع عن السعودية، إلى جانب بحث سبل معالجة التوترات المرتبطة باليمن من خلال الحوار والطرق السلمية.

وتشير هذه التصريحات إلى محاولة أنقرة إبقاء دورها ضمن إطار دفاعي، مع عدم إغلاق الباب أمام المسار الدبلوماسي.

كما أن البيان المشترك للتحالف لا يتحدث عن نشر قوات تركية للقتال داخل اليمن، وإنما عن توفير القوات والقدرات العسكرية وضمان نشرها في السعودية، مع الالتزام بالإجراءات الوطنية لكل دولة.

وبالتالي، فإن الانتقال من الدفاع عن الأراضي السعودية إلى تنفيذ عمليات داخل اليمن ليس خطوة تلقائية، حتى مع تفعيل الاتفاق، لكنه يظل احتمالًا تثيره المعارضة، خصوصًا إذا توسعت الحرب أو تعرضت القوات الموجودة في السعودية لهجمات حوثية.

أين تبدأ الحرب وأين تنتهي؟

هنا تكمن المعضلة الأساسية أمام أنقرة، فتفعيل «اتفاق مكة» لا يعني بالضرورة أن تركيا دخلت الحرب، لكنه يضعها أمام سؤال أكثر تعقيدًا: إلى أي حد يمكنها الالتزام بالدفاع عن السعودية من دون أن تصبح جزءًا من الحرب اليمنية؟

إذا اقتصرت المشاركة التركية على الدفاع الجوي وحماية المنشآت والقواعد والمواقع الحيوية داخل السعودية، فقد يكون من الممكن تقديمها باعتبارها تنفيذًا محدودًا لالتزام دفاعي جماعي.

لكن إذا تطلب الدفاع عن المملكة تنفيذ عمليات هجومية ضد منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة أو أهداف مرتبطة بالحوثيين خارج الحدود السعودية، فإن الخط الفاصل بين «الدفاع عن الحليف» و«المشاركة في الحرب» سيصبح أكثر ضبابية.

وتزداد حساسية هذا السيناريو مع توسع المواجهة في اليمن واقتراب تداعياتها من خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، إذ إن اتساع العمليات العسكرية قد يدفع بالصراع إلى نطاق إقليمي أوسع.

ولهذا، فإن السؤال بالنسبة إلى تركيا لا يتعلق فقط بما ينص عليه «اتفاق مكة»، وإنما بكيفية تفسير الالتزامات الدفاعية في ظروف الحرب.

اختبار جديد للعلاقات التركية السعودية

يمثل الاتفاق في الوقت نفسه اختبارًا جديدًا للعلاقات التركية السعودية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة انتقالًا من التنافس الحاد إلى التعاون السياسي والاقتصادي والأمني.

وتمنح اتفاقية مكة هذا التعاون بعدًا مؤسسيًا وعسكريًا، إذ تقوم على اعتبار أمن الأطراف الثلاثة جزءًا من أمن جماعي، فيما تعاملت الدول المشاركة مع الاجتماع الأخير باعتباره خطوة نحو تفعيل الالتزامات الدفاعية بصورة عملية.

لكن أنقرة لا تريد بالضرورة أن يتحول هذا الالتزام إلى عبء عسكري مفتوح، في ظل حساباتها الإقليمية الخاصة، واهتمامها بأمن البحر الأحمر والتجارة الدولية وعلاقاتها مع مختلف الأطراف في المنطقة.

ومن ثم، فإن تقديم دعم عسكري للسعودية لا يعني بالضرورة تبني جميع أهداف الحرب التي تخوضها الرياض ضد الحوثيين.

البرلمان التركي.. كلمة الفصل؟

تتجه الأنظار في المرحلة المقبلة إلى المسار البرلماني، خصوصًا أن البيان المشترك للتحالف نص على تنفيذ الالتزامات ونشر القوات وفق التشريعات الوطنية للدول الثلاث.

وفي الحالة التركية، يفتح ذلك الباب أمام نقاش داخلي حول طبيعة المهمة العسكرية وحجمها ومدتها وقواعد الاشتباك، وهي عوامل قد تحدد شكل المشاركة التركية في حال تطورت المواجهة.

وبذلك يصبح اعتراض أوزال جزءًا من نقاش أوسع حول كيفية ترجمة الالتزام الدفاعي الإقليمي إلى قرار عسكري عملي، وما إذا كان نشر القوات في السعودية سيظل محصورًا في إطار الدفاع عن المملكة أم قد يتوسع مع تطورات الميدان.

هل تدخل تركيا حرب اليمن؟

حتى الآن، لا يعني تفعيل «اتفاق مكة» أن تركيا دخلت حرب اليمن، كما أن المعطيات المعلنة لا تشير إلى قرار تركي بالمشاركة في عمليات قتالية داخل الأراضي اليمنية.

لكن الخطوة تضع أنقرة أمام اختبار صعب: كيف تلتزم بالدفاع عن السعودية، دون أن تنخرط في الحرب الدائرة مع الحوثيين؟

وسيكون لطبيعة القوات والقدرات التي ستنشرها تركيا في السعودية، ومسار القرار داخل البرلمان، وتطورات المواجهة في اليمن، دور حاسم في تحديد مستقبل هذا الدور.

وبينما تبدو أنقرة حريصة على تقديم مشاركتها باعتبارها دفاعية، مع التأكيد على الحوار والحل السياسي، فإن اتساع نطاق الحرب قد يختبر حدود هذا الموقف.

قد يهمك